Monday, July 13, 2009

الثقب الذي لا يعنينا في الساحر الطيب



اطمئني يا طفلتي فأنا لن أصدقه أبدا .. أعرف تماما أنك لم تكوني بالنسبة له أكثر من سيجارة ملغومة كان عليها فقط أن تستسلم في صمت لاحتراقها التدريجي بين إصبعيه برفقة أمنياته العميقة بأن يخرج من فمه مع دخانها للأبد كل القتلة الذين يعيشون بداخله .. صدقيني مهما فعل فلن أقتنع أبدا بأنك كنت سيئة أو بلهاء أو خبيثة أو بلا قلب .. لن أصدق أن الدموع التي أضاءت بخفوت في عينيك وأنت تغنين بيننا ( شجر اللمون ) في المقهى لم تكن حقيقية .. لن أصدق أن الإغماءة التي أصابتك فجأة ونحن على وشك العودة إلى بيوتنا آخر الليل والتي قلتِ لنا فيما بعد أنها كانت بسبب عدم النوم وشرب البيرة والقهوة والسجائر بكثرة على معدة خاوية .. لن أصدق أنها كانت تمثيلا متقنا منكِ .. لن أصدق أنكِ حين سألتيني : ( هو الحب ده يعني إيه بالظبط ؟ ) ونحن نسير في الشارع بعد خروجنا من الحفلة التي غنيتِ فيها ( زهرة المدائن ) .. لن أصدق أنكِ كنتِ تمتلكين بالفعل الإجابة المقنعة بالنسبة لكِ ولكنكِ أردتِ فقط التعرف على إجابتي لاستخدامها في حيلة شريرة ضدي فيما بعد .. لن أصدق أن فرحتكِ الكبيرة وأنت ترينني علبة المكياج والملابس ( البناتي ) التي قررتِ شرائها فجأة كي تجربي العيش قليلا كأنثى عادية .. لن أصدق طبعا أنها كانت فرحة زائفة .. الملابس التي لم أركِ ترتدينها أبدا وعلبة المكياج التي حين استعملتيها لم أجروء على إخبارك بأنها أهانت الحزن الغامض والبريء الذي شكّل ملامحك بحرفية عالية وجعلها جميلة دون الحاجة لمكياج وبصرف النظر عن معايير الجمال التقليدي لدى الآخرين الذين كانت تبدو على بعضهم الرغبة أحيانا في أن يطلبوا منك أن تحمدي الله كثيرا لأنه أعطاك نهدين بارزين إلى حد ما ومؤخرة ممتلئة بدرجة كنوع من التعويض عما حرم وجهك منه .. لن أصدق أنك ابتسمت بسخرية باردة في وجه شاعر العامية قصير القامة حين صارحكِ بحبه لكِ وأنكِ ذبحتيه بتساؤلكِ المتهكم : ( إزاي ها امشي في الشارع أو ادخل في مكان ودراعي في دراع واحد أقصر مني ) .. لن أصدق أنكِ كنت تتظاهرين بالألم بعد خروجنا من منزل الصديقين الذي قضينا فيه سهرتنا حينما ظللت صامتة لفترة طويلة ثم سألتيني فجأة عن لماذا يجعل الله رجلا وامرأة يتزوجان وهو يعلم أنهما سيتطلقان في النهاية بعد سنوات ولماذا يتركهما ينجبان فتاة وهو يعلم أن افتراق والديها سيظل جرحا مفتوحا دائما في روحها ولماذا يمنح هذه الفتاة صوتا جميلا وهو يعلم أنها ستظل تغني دائما دون أن تعثر على الأغنية التي تجيب على أسئلتها ؟ .. لن أصدق أن اشتراكك المفاجيء في مظاهرات حركة ( كفاية ) وأنتِ التي كنتِ تكرهين المناقشات ثقيلة الدم لأصدقاءك في السياسة وأيضا الظهور في الكافيهات مع أصحاب جدد كانوا يختفون فجأة بنفس السرعة التي يدخلون حياتك بها والذين كنت تحاولين دائما خلق انطباع لدى كل من يشاهدك تجلسين مع أحدهم بأنكما عاشقان سعيدان ثم زواجك الذي انتهى بالطلاق بعد فترة قليلة من رجل توفرت لديه كل المميزات التي كنت تحتاجينها وتبحثين عنها دائما : العمر الكبير .. المهارة في الاحتواء .. الشعر الأبيض .. الاتزان النفسي .. الخبرة العميقة بالحياة وبالزواج المدعومة بتجاربه السابقة .. لن أصدق أن كلها كانت مجرد فصول مبعثرة لمسرحية كنت ( تشتغلين ) بها العالم كي تثبتي له ولكائناته ولنفسك أنه لا يعنيك في شيء وأنك قادرة في أي وقت وبمنتهى السهولة على التلاعب بقوانينه وعلاقاته وشخوصه لا لشيء وإنما لرغبتك في علاقة جديدة مع الدنيا قائمة على الاحترام المتبادل بعد أن سبق وأقررتِ باحترامك العظيم لبراعة هذه الدنيا في الأذى .. لن أصدق أن حالتكِ البشعة التي ظهرتِ عليها فجأة بعد غيابك لفترة طويلة جدا لم يعرف خلالها أي أحد عنكِ شيئا : النظرات التائهة .. السواد الثقيل حول العينين .. الابتسامة الخائفة .. ارتعاش اليدين .. الكلام الغير مترابط عن الحياة والموت والذي تتخلله دون مبرر ضحكات قوية مفاجئة الأمر الذي جعل من تبقى من أصدقاءك الذين قابلتيهم صدفة عند مرورك على أماكن لقاءاتكم القديمة جعلهم يصافحونك بتردد وحذر ثم يتحججون بأي عذر ليهربوا سريعا من الجلوس معكِ .. لن أصدق أن هذه الحالة كانت مجرد خدعة ضرورية جدا في خطتك للعودة إلى قلوب الآخرين التي طردوك منها بعد أن استنفذوا كل قدراتهم على تحمّل تقلباتك المزاجية الحادة وانفعالاتك الغريبة الغير متوقعة وأيضا الإنصات لتجاربك الوهمية مع الانتحار الفاشل ولحكاياتك الأخرى التي كانت تبدو أحيانا مجرد هلاوس تافهة أو تكرار ممل لقصص معادة من الماضي بطرق مختلفة .
اطمئني يا طفلتي فأنا لن أصدقه أبدا .. أعرف أنه كان مثلهم جميعا .. يريدك أن تنقذيه أو توفري له أي قدر من الحماية بدلا من كل الآلهة والملائكة والأنبياء والقديسين الذين انتظرهم طويلا دون أن يشم رائحة أي منهم ثم قرر أن يعاقبك بأي شكل على فشلك في تغيير العالم من أجله .. أنا لست مثله إطلاقا .. أنا أعرف أنك طفلة فحسب وليس أي شيء آخر .. اطمئني .. أنا لن أصدق نفسي أبدا .

يغيب المطلق فيحضر الأسى


يبحثون عن المطلق. ولأن لا وجود لما يبحثون عنه سوى في مخيالهم، تراهم حزانى، وفي غير قليل : آسين. إنهم معشر الشعراء يا سيدي. أصابتهم هم أيضاً الجرثومة. تلك التي لا شفاء منها، مثل سرطان متقدّم في الغدد اللمفاوية. قال صاحبهم ذات يوم : ( ما أبتغي جلّ أن يُسمى ]. لم تكن كلمة المطلق معروفة آنذاك، وإلا لقالها. ولكنهم يعرفونها اليوم، وبعضهم يقولها عن إحساس عميق، وبعضهم عن مجاراة لما يقرأ.المطلق : اليوتوبيا : أو بكلمةٍ : دنيا غير هذه الدنيا، وعالم غير هذا العالم. ألم يقل المسيح ذات يوم : مملكتي ليست من هذا العالم ؟ ترى هل كان المسيح شاعراً ؟ لا أشك في هذا، حتى لو لم يكتب الشعر. لقد عاشه بكل روحه وجسده، ويكفيه ذلك، لأعتبره من معشر الشعراء. كل التائقين إلى دنيا غير هذه الدنيا، هم شعراء. المتدينون الوضعيون والسماويون. الفلاسفة. الرحالة. المتأملون. المفكرون. الصعاليك. الملحدون. العشاق. كل هؤلاء هم شعراء ولو لم ينتجوا شعراً. فكل هؤلاء باحثون عن المطلق وتائقون إلى تحقيق جزء منه، ما دام تحقيقه كله مستحيلاً.
والمطلق طريدة البشري ابن حواء فقط. فحتى هذه اللحظة، لم يثبت علمياً أنّ الكائنات الأخرى مشغولة بهذا الهمّ. مع أننا ربما نكون نرجسيين ونحن نزعم أمثال هذا التصوّر. فمن يدرينا أنّ الأشجار مثلاً، لا تفكّر في المطلق ؟ ألا تستمتع بالموسيقى ؟ ألا يزداد نموها، أو نمو البعض من أنواعها حين تستمع للموسيقى ؟ ثم ما هي الموسيقى ؟ أليست هي بالذات وبالأخص : مطلق ؟ وماذا عن الحيوانات ؟ ألا يحلم بعضها هو أيضاً ؟ وأليس الحلم نوعاً من المطلق ؟ فإن لم يكن الحلم مطلقاً فما هو المطلق ؟ أظنّ من ناحيتي، أنّ لكل كائن حي، مطلقه الخاص به. والفرق فقط في الدرجة لا في النوع : وفي قدرة هذا الكائن على الإبانة. نحن مُنحنا لساناً وأصابع لنكتب. الشجرة والكركدنّ، لم يُمنحا هذا الامتياز. لذا لم يتكلمّا عن المطلق ولم يكتباه. إنهما، كما يخيل لي : يحلمان به : يحلماه. لذا فالجملة السابقة، عن البشري ابن حواء، هي جملة متنطعة وغير دقيقة. فالمطلق، كما أحدس، هو طريدة كل الكائنات الحية. فكل الكائنات الحية تعاني. وكل الكائنات الحية تحلم بمعاناة أقلّ، وبأوضاع أفضل.
وليس هذا فحسب. ففي الجانب المقابل، كل الكائنات المرتاحة والسعيدة نوعاً ما، تحلم هي كذلك بسعادة أكبر وأشمل. تحلم ربما بسعادة خالصة. وهذا نوع من المطلق أيضاً. البحث عما هو غير ممسوك باليدين. والنظر إلى ما هو أبعد من القدمين. لذلك يصحّ القول بأنّ مطلق الجائع هو الرغيف. ومطلق المليونير هو إضافة أصفار على اليمين. ومطلق المريض هو الصحة، ومطلق الواقع تحت احتلال هو الاستقلال، وهكذا دواليك. وحين يتحقق المطلق لبعضهم، فإنّ مطلقات أخرى، تولد حينئذ. ذلك أنّ الكائن الحي، وبضمنه الإنسان، لا يكفّ عن استيلاد مطلقات جديدة، كلما حقق مطلقاته القديمة. فالكائن الحي هو حيوانُ استهلاكٍ للمطلق. مستهلك للمطلق من الدرجة الأولى. فهو في الواقع والحقيقة، لا يستطيع أن يحيا بلا مطلق. فالمطلق خصيصته العامة والخاصة في آن.بهذا المعنى، فأبناء حواء هم حيوانات مطلق بامتياز. ودعونا هنا لا نتكلم إلا عنهم، بوصفنا منتمين لجنسهم ونوعهم حتى إشعار آخر. إنّ لدى هؤلاء ملايين المطلقات. كل واحد منهم وله مطلقٌ على مقاسه. مطلق يناسب ثقافته وتربيته. مطلق من بيئته. وكلها أو معظمها مطلقات نسبية. فالطالب الجامعي مطلقه في الوظيفة المحلوم بها. ثم في خطوة تالية : الاستقلال ببيت خاص والزواج وتكوين أسرة. بعد ذلك يأتي مطلق الترقية في الوظيفة وربما العمل على مشروع اقتصادي صغير خاص.
كذلك المليونير لا يكتفي بملياراته. يريد مزيداً منها. العانس تريد عريساً. المريض يريد شفاء. العاشق يريد معشوقه، إلخ. فإنّ حُقِقَت لهم كل هذه المطاليب، فهل يكتفون ؟ لا. يريدون مزيداً فمزيداً. العاشق يريد معشوقة جديدة. فمعشوقته السابقة بيضاء، وهو رأى اليومَ امرأة سمراء، فوقع في سحرها ونكهتها المختلفة. فإن كان له عشيقة بيضاء، فماذا عن السمراء والصفراء والسوداء ؟ لكل واحدة منهن طعم آخر ونكهة أخرى. وهكذا، لا تنتهي النساء ولا ينتهي العاشق من صبواته وخيباته. فكل النساء صالحات للعشق، ولا تخلو امرأة من جمال، كما قال أبو الروائيين العرب، محفوظ.وما يقال عن العاشق يقال عن سواه. الفرق فقط في الدرجة لا في النوع. فثمة مستهلك للمطلق على نطاق ضيق، متواضع وعملي، وثمة ما لا تكفيه كل هذه الدنيا.
والشعراء ينتسبون إلى هذا النوع الأخير. الحقيقي منهم، لا تكفيه الدنيا على رحبها. فمطلقه من النوع غير القابل للتحقق. غير الممسوك ألبتة. لذلك تراه تعيساً : تراه آسياً : تراه حائراً : تراه مكسور الروح : تراه ذاوي البشرة : غائرَ العينين : تراه رِجْلٌ هنا وأخرى هناك. فإن أردت معرفة وحقيقة ال [ هناك ] تلعثمتْ روحه وهو يردّ عليكَ. فهو أيضاً لا يعرف ما هي طبيعة وحقيقة [ الهناك ] هذه.فهي بلغة الفلاسفة : " المُطلق "، وبلغة المتنبي : " جلّ أن يسمى "، وبلغة غيرهم : أشياء وأمور أخرى. وهي كما الموت، المآل الأخير للإنسان : تعددت الأسباب وهو واحدُ. تعددت الأسماء والموضوع واحدُ. إنّ البحث عن المطلق يكون في نوعين : بحث عن مطلق أرضي وبحث عن مطلق سماوي. وفي حالة الشعراء، ربما لا يكفيهم هذان النوعان من البحث. ربما يبحثون عن نوع ثالث مزيج أو خليط من كليهما معاً، وصولاً إلى نوع واحد فقط.أنا كشاعر، مُطلقي هو : القصيدة القادمة : القصيدة غير المكتوبة أبداً. وما دامت هذه لا تأتي وربما لن تأتي أبداً، ففي انتظارها، أقبل بمطلقات عظيمة، تعينني على تحمل وحشة الطريق وقلة الزاد : قراءة ما كتبه الآخرون، والاستماع والاستمتاع بما ألّفه الموسيقيون. والتأمل اليومي في صغائر الأمور، لأصل إلى ما ورائها من جلائل وكبائر.
وهكذا، ففي كل ليلة، لي سوناتا أو سمفونية. وفي كل ليلة لي كتاب أو بضع صفحات. وفي كل ليلة لي كرسي تحت شجرة الزيتون أو البرتقال. أجلس عليه، قبل الفجر بقليل، وأظل صافناً، مدهوشاً من جمال هذا العالم الساكن، ممغوصاً من أنني بعد سويعات سويعات فقط، سأنزل إلى دنيا الموظفين، إلى نثر الحياة اليومية البائس، فيضيع ما حصّلتهُ في الليل بشق الأنفس، هباءً منثوراً في مطالع النهار وأواسطه، وأيضاً نهاياته !
الواحد يكدّ ويتعب في الليل ليحصل على البيضة الذهبية، فإذا جاء النهار بنثره وبشره السقيمان، كُسِرَت البيضة، وتأسّف المرء على الزلال المسكوب !
معلش : خيرها في غيرها !


* * *
باسم النبريص
إيلاف
8/ 5 / 2007

Tuesday, July 07, 2009

الروح القدس


بدأ الأمر أثناء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة نهاية 2008 وبداية 2009 .. على مدار اليوم كان التليفزيون هو الوسيط البارد الذي يمرر بتلقائية نشطة وعمياء سيل الهذيان الوحشي المتدفق بانسيابية غير معقولة والغريب ببشاعة عن أي خبرة واقعية ممكنة .. أصبح هذا الهذيان أشد انتماءً للخيال الهزلي الذي لا يبذل أي جهد لإقناع المذهولين بحقائقه الفريدة أكثر من أن يواصل عمله ببساطة وأن يستمر في الحدوث والتكرار البريء لنفسه حتى تتحول هذه الحقائق الغير منطقية إلى مجرد أشياء عادية مرعبة ومفهومة .. ما كان غير مستوعب إذن تحوّل إلى مجرد تتابع رتيب لأحداث مألوفة نجحت كالمعتاد في إجبارنا على الاستسلام المشابه بالضبط لذلك الذي لا يجعل بيننا وبين أفلام الكارتون في أشد حالاتها تطرفا وغرابة أي مشكلة في التصديق .
بالتأكيد ليس فعل ( المشاهدة ) هو أكثر ما يناسب وصف العلاقة بين الجالس أمام التليفزيون وبين المشاهد والصور الحية التي يستقبلها .. هي حالة استنساخ ذهني خارجة عن أي سيطرة شخصية تجعل نسخا مطابقة لروحك تتوالد بآلية داخل كل مشهد وصورة وتحل كل نسخة منها ببراعة في كل جثة وكل جسد على وشك أن يصير جثة مع تشبث باطني بالانفصال الآمن بين روحك الأصلية وبين أرواحك المستنسخة ذهنيا .
الطائرات التي تبدو كوحوش خرافية لم تصعد من الأرض وإنما أنزلتها السماء إلى الفراغ الفاصل بينها وبين الدنيا .. القذائف المتنوعة ذات الأضواء المتراقصة السعيدة التي تُكسب الاحتفال بالإبادة بهجته اللازمة .. أنقاض البيوت والمباني المناسبة أكثر للإنضمام إلى مشاهد لعبة فيديو ينتقل خلالها المريض الماهر إلى مرحلة أعلى مع تزايد قدرته على تحقيق الخراب .. أشلاء وجثث الأطفال المتناثرة كدمى غير مطابقة لمواصفات الجودة البشرية انتهى وقت تمزيقها .. عربات الإسعاف المسرعة بتوسل للقدر أن يؤخر الموت الذي لا يترك لك في لحظات كهذه سوى احتمالات غاية في الضعف وأقرب إلى الأوهام المستحيلة للنجاة .. أطباء محطمون .. أطراف مبتورة وأجساد محترقة وجروح غائرة ودماء وصراخ وبكاء وعويل نساء وأطفال ورجال وفجأة شعرت بعضوي ينتصب .. انتباهي لهذا الانتصاب لم يكن نتيجة حدوثه المجرد وإنما بسبب شعور يقيني مباغت بارتباطه بما يأتيني عبر التليفزيون .. لم يأخذ الأمر أكثر من ثوان قليلة ولكنها كانت استثنائية للغاية : يأس وهياج لذيذ واستغراب بفزع ونشوة يحفزها الاستمتاع بمثيرات غير مدركة .
لم أفكر كثيرا من أجل اكتشاف المعادلة المجهولة الصحيحة التي تتسق فيها مشاهد وصور القتل والتدمير البالغة القسوة كأسباب مع الشبق الجسدي كنتيجة .. قلت في نفسي أن هذا الانتصاب مهما بدا قويا ومحيرا فهو بسبب ظروف معقدة وأحداث مربكة وغير تقليدية باعثة على الاضطراب النفسي لن تتوفر لديها فرص مناسبة للتكرر فتتحول مستقبلا إلى حدث معتاد .. كان كل شيء بالنسبة لي في تلك اللحظة غير مؤكد وغارق وسط غيوم كثيفة من الاحتمالات المشوشة .

ظل الأمر يتكرر مع استمرار الحرب وتصاعد حدة الشراسة للمناظر المرسلة عبر التليفزيون واستمرت ثواني الانتصاب القليلة تزيد تدريجيا والانفعالات المتناقضة المصاحبة له تمعن في الشدة والتوهج ورغم هذا بقيت محافظا بصعوبة على عدم الاستسلام لاعتبار الحالة العابرة وقد تحولت إلى حقيقة ثابتة ومؤكدة ستظل تكشف عن نفسها في مناخها الملائم .. ربما كان عدم الاستسلام ناجم عن عدم حدوث هذا الأمر لي إلا أثناء متابعتي للحرب فقط وعدم تكرره في أي وقت أو مناسبة أخرى وهذا ما جعلني أواصل الاعتقاد بأنها حالة عصبية غريبة وشاذة مرتبطة بالحرب وبعدم تحملي ما يصيبني منها وأنني سأتخلص من هذا الأمر بديهيا مع انتهاء الحرب أو هكذا كنت أتمنى .

بعد انتهاء الحرب بفترة قصيرة كانت جالسا ذات مساء أمام شاشة الكومبيوتر لأتصفح بريدي الإلكتروني .. لاحظت كالعادة ازدياد كم الرسائل التي تأتيني من جهات مختلفة كثيرة جدا كي تبلغني بأن قبورا جديدة تم فتحها كشفت عن أن جثث موتى طالبان والقاعدة وحماس وحزب الله وشيوخ السعودية لم تتحلل في حين أن قبورا أخرى كشفت عن موتى يعذبون عذابا فظيعا لأنهم كانوا مقصرين في أداء الصلاة .. رسائل تبلغني بآدميين تحولوا لمسوخ لأنهم أهانوا الله ورسوله وحيوانات وطيور تنطق بالشهادتين وأسماك وأشجار وزواحف وفواكه وخضراوات مكتوب عليها اسم الله أو أي كلمات أخرى تثبت وجوده .. رسائل عن السواك الذي سيخرج حياتك من الظلمات إلى النور وعن الأدعية التي ستعجز الملائكة عن إحصاء حسناتك لو أعدت إرسالها لعشرة من أصحابك وعن الأحلام التي رآها أئمة المساجد ومقدمو البرامج الدينية والفنانات المعتزلات ولاعبو الكرة الصالحون والمحامون الحريصون على استقرار الوطن وأوصاهم خلالها نبي الإسلام بنشر دعاء نصرته ضد كفار أوروبا على سائر مسلمي الإنترنت حتى يسمعوا أخبارا سعيدة لو أعادوا توزيعه وتأتيهم المصائب لو أهملوه .
رن الجرس .. نهضت وفتحت باب الشقة لزوجتي ثم عدت لأواصل تصفح الإيميل .. كان على وجه زوجتي ملامح استغراب شديد ورغبة كبيرة في الضحك وحينما سألتها عن السبب أخبرتني أنها كانت تفف في شرفة منزل أمها فوجدت ( سعاد ) تقف في منتصف الشارع وتشكو بصوت عال للعابرين من أنها لم تعد مطلوبة من الرجال بسبب كبر سنها وفقدان جسدها لجماله القديم وأن الجيل الجديد في الشارع أخذ مكانها وأصبح الأكثر رواجا وربحا مما جعلها منذ مدة طويلة مضطرة لقبول أي سعر بعد أن كانت لا تقبل في الماضي النوم مع أحد إلا وفقا لشروطها المادية والمزاجية أيضا .
( سعاد ) هي المومس القديمة والشهيرة التي تسكن الشارع الذي تقيم به عائلة زوجتي ولا أتصور أن هناك أحد يعيش في المدينة دون أن يعرفها .. تجاوزت ( سعاد ) الخمسين وأصبح جسدها عبارة عن كتلة سمينة مترهلة من اللحم المشوه التشكيل .. لم يكن وجهها جميلا ولكن جمال جسدها كان يعوّضها في الماضي خاصة مع مهنة لا تعطي جمال الوجه اهتماما كبيرا أما الآن فقد أصبحت دمامة هذا الوجه عارية وواضحة للغاية وأكثر صدما بعد أن وصلت إلى هذا العمر وبعد أن فقد جسدها رغما عنه القدرة على إحداث التوازن الذي كان يمنحها صفة الجمال من زاوية ما ويجعلها جذابة ومرغوبة .
غادرت زوجتي الحجرة وبقيت أفكر في ( سعاد ) وأنا أواصل تصفح الإيميل ثم بدأ عضوي في الانتصاب .. كانت هذه هي المرة الأولى بعد الحرب والأهم أنني لم أشعر بالاهتياج نتيجة تفكيري في هذه المومس .. لماذا شعرت بالاهتياج إذن ؟‍‍‍‍‍‍ .. لأول مرة أشعر بقدرتي على التوصل لفهم مدعوم بالحاجة لتثبيت نفسه ويسعى لتفسير غموض ما كان ينتابني أثناء استقبالي لنتاج الحرب الإسرائيلية على غزة .. شعوري بالاهتياج ناجم عن التلذذ بمأساة ( سعاد ) المهينة التي أذلتها في هذا العمر بعد أن كانت أشبه بالملكة المشتهاة في فترتي الثمانينيات والتسعينيات .. كانت آلامها هي ما تثيرني وبشكل أدق إحساسي العميق بأن المصدر الحقيقي للإثارة التي أشعر بها يكمن في علاقة هذه الآلام بالرسائل التي أتصفحها الآن .. لم يكن في الأمر أي نوع من التشفي في هذه المرأة أوالفرح بتأمل وتشريح معاناتها بداخلي بل كانت الشهوة قائمة على وجود أذى مجرد منفصل عن إنسان لا يعنيني شخصيا .. كان ما يعنيني فحسب حدوث الأذى نفسه وبهذه الطريقة بصرف النظر عن من الذي أصابه هذا الأذى .. هل يتطابق هذا مع أحداث القتل والتدمير البشعة في غزة ؟ .. كانت الإجابة الفورية التي تبنتها نفسي باقتناع تام هي : نعم .. كنت أتلذذ استجابة لمشاهد وصور الجثث والأشلاء والدماء والصرخات وحطام البيوت بصرف النظر عن من الذي توجه ضده هذه الإبادة وبالضبط مثلما أتلذذ بما عرفته للتو عن ( سعاد ) وبالعلاقة الوطيدة للغاية التي تربط بين أحزانها وبين رسائل القبور المفتوحة والجثث التي لم تتحلل والموتى المعذبين والآدميين الذين تحولوا لمسوخ والأحلام والأدعية التي يجب أن يعاد إرسالها للأصدقاء .. هذا الانتصاب لم يكن ـ لأول مرة أيضا وربما كان هذا هو السبب الطبيعي وراء فهمي له كحقيقة أصبحت ثابتة ـ لم يكن مقترنا بأي أفكار أو مشاعر متناقضة كما كان في الماضي .. غاب اليأس والاستغراب والفزع ولم يعد هناك سوى نشوة الهياج فحسب .. شهوة ترسخ حضورها واستقرارها بثقة وتآلف مع جسدي وتريدني أن أتصرف تجاهها بواقعية .. تريدني ألا أضاجع زوجتي أو أي امرأة أخرى بل أن أمارس العادة السرية فورا .. هذه الرغبة بالتحديد ودون أي رغبة أخرى سواها هي ما تملكتني بشدة وأخضعت كافة حواس وأعصاب وأعضاء جسدي لمشيئتها المطلقة .. زرعت بداخلي يقين بأنني يجب أن أمارس هذا الطقس وأستمتع به وحدي دون أي شريك آخر كأن هذه الشهوة مخصصة لي فقط ولا تليق بأحد غيري .. نهضت من أمام الكومبيوتر وتوجهت إلى الحمام .. بدأت في الاستمناء بلا استدعاء لأي تخيلات جنسية في ذهني كما يحدث عادة .. كانت الحالة الشبقية التي سيطرت على كياني متعالية عن الحاجة لهذه التخيلات بل وفي حقيقة الأمر أخذت بتأكد مهيب تمرر لي أحاسيس حاسمة بأن التكوين الاستثنائي لهذه الشهوة التي تستحوذ عليّ الآن أعمق بكثير مما يمكن استيعابه وأشد امتناعا عن الاستجابة لمحاولات ضمها لأي خبرة سابقة .. رأسي فارغ تماما من كل شيء بينما يدي تواصل عملها وجسدي بأكمله في استمتاع عظيم .. نشوة القذف لم تكن عادية أيضا .. كنت مفتونا بذاتي وأنا أشعر بجسدي يتخلص من عاديته ويتحول إلى ما يشبه روح متحررة غير محكومة بشروط الزمان والمكان راحت تتسع وتمتد في تحليقها لتغطي الكون كله في لحظات قليلة .. كان فيضا من بهاء الارتعاشات الفرحة بدا لا منته حتى وهو ينقص بالتدريج ثم ينتهى تماما .

أصبح الأمر تقليديا ويتكرر كشأن بديهي من شؤون الحياة اليومية ومع ذلك ظل محافظا على استثنائيته فكان يبدو كل مرة على الرغم من تكراره كأنه يحدث للمرة الأولى .. كنت أشعر بنفس المشاعر التي تقودني في النهاية إلى الحمام وذلك مثلا بعد : تفجير انتحاري يقتل العشرات في العراق أو أفغانستان أو باكستان .. مشاجرة في الشارع .. سقوط طائرات .. قتل متظاهرين .. اصطدام قطارات .. أزمات عائلية .. غرق سفن .. دهس سيارة لقطة .. أطفال مصابون بالسرطان .. حوادث سيارات .. انهيار عقارات .. حرائق ... ورغم ذلك لم يصيبني الوهن أو الضعف أبدا .. بالعكس .. كان الاستمناء يشعرني بتجدد النشاط والقوة وصلابة النفس .. كأنه كان يعيد شحن دمائي في كل مرة بطاقة جديدة للحياة .. أصبحت أعيش في حالة ترقب محموم للمآسي والأحزان التي لا تصيبني شخصيا ولا تصيب أسرتي .. أنتظر بلهفة حدوث أي مصيبة في أي مكان لدرجة أنني بعد الاستيقاظ كل يوم كنت أسرع نحو القنوات الإخبارية بالتليفزيون على أمل وقوع كارثة مروعة قضيت فترة ما قبل النوم القصيرة بالأمس في تمني الحصول عليها صباحا .

الآن أصبح عضوي منتصبا دائما وأمارس العادة السرية في أي وقت أريده .. لم تعد شهوتي حدثا يتكرر وإنما أصبحت هي الحياة العادية نفسها والواقع البديهي الأوحد الذي لا يخدش .. صرت أرى بوضوح حاد التشوه والقبح والأذى الوحشي الكامن فيما يعتقد أنه جميل وطيب ونقي فلم أعد في حاجة لترقب وانتظار المآسي والكوارث بل أصبح العالم ككل بكافة تفاصيله ومكوناته أيا كانت كتلة ألم هائلة وساحة ممتدة لا حدود لها من الزيف والمرض .. أنا في حقيقة الأمر لم أعد مثلكم .. لم أعد أشعر بالسعادة أو الحزن ولا بالتفاؤل أو التشاؤم .. أنا فقط مطمئن وهذا بالتحديد ما لا يجعلني مثلكم .. هذا مايجعلني كاملا تماما ولا ينقصني أي شيء للدرجة التي أؤمن للغاية معها بأنني لا أعيش بينكم بل أنني في الواقع مختبيء في مكان بعيد وعال جدا يحميني من عيونكم التي لا تستحق رؤيتي .

James Dean - Wild Horses

Saturday, June 27, 2009

صدور التجنيد الوهابي للبشر عن مركز حجازنا



عن مركز حجازنا للدراسات والنشر بالدار البيضاء ـ المغرب صدرت دراستي ( التجنيد الوهابي للبشر بين الاستغلال والقتل ) والتي سبق نشرها بالعديد من الصحف والمجلات والمواقع الإلكترونية مثل الحوار المتمدن وضفاف الدجلتين ووطن وإيلاف ودروب والحوار المفتوح كما أعادت العديد من المدونات الشخصية نشرها

من أشعار: جاك بريفير


ترجمة: محمد محمد السنباطي

من أشعار: جاك بريفير
( 1900-1977 )

(كتب سيناريوهات لأكثر من سبعين فيلما منها: رصيف الضباب- زوار المساء-أطفال الجنة) ( عندما صدرت مجموعته الشعرية الأولى” كلمات” عام 1946 لاقت نجاحا مذهلا، وصارت أعظم كتاب شعر جماهيري في فرنسا. تحولت قصائد كثيرة
منها إلى أغنيات)


1- في الصيف كما في الشتاء
(ترجمة شعرية)


في الصيف كما في الشتاء
في الطين وفي الغبار
ممددا على جرائد قديمة
الرجل الذي حذاؤه تدخل فيه المياه
يرسل عينيه بعيداً نحو المراكب

عن كثبٍ أحد الحمقى
أحد الرجال المكتئبين
بالصنارة يصطاد
ولا يعرف على وجه اليقين لماذا
إذ يرى مركبا ينساب
يأخذه الضيق
يود لو رحل هو أيضاً
بعيداً على صفحة الماء ويحيا حياة جديدة
ويكون خصره نحيلاً

في الصيف كما في الشتاء
في الطين وفي الغبار
ممددا على جرائد قديمة
الرجل الذي حذاؤه تدخل فيه المياه
يرسل عينيه بعيداً نحو المراكب

ذلك الصياد الطيب
يعود إلى بيته بلا سمكة
يفتح علبة سردين
ثم يجهش بالبكاء
يدرك أن الموت سيدركه
وأنه لم يحب في يوم من الأيام
امرأته تتفحصه
بطريقة مصطنعة تبتسم
يا لها من خبيثة كئيبة
كضفدع عجيبة

في الصيف كما في الشتاء
في الطين وفي الغبار
ممددا على جرائد قديمة
الرجل الذي حذاؤه تدخل فيه المياه
يرسل عينيه بعيدا نحو المراكب

يعرف أن المراكب على وجه اليقين
أكواخ كبيرة طافية
وأن خفض الرواتب
يجعل البحّارات البائسات
والبحارة البائسين
يُـنزهون على لأنهار
حمولة من الأطفال
في الصيف كما في الشتاء
وفي أي جو كان



2- كي ترسم صورة لعصفور


ارسم أولا قفصاً
بابه مفتوح
ارسم أيضاً
شيئا مليحاً
شيئاً بسيطاً
شيئاً جميلاً
شيئاً نافعاً
للعصفور
ضع اللوحة بعد ذلك على شجرة
في حديقة
في غيضة
أو في غابة
ثم اختفِ خلف الشجرة
دون بنت شفة
دون نأمة
وعندما يصل العصفور
إذا وصل
لاحظ الصمت الأكثر عمقاً
انتظر حتى يدلف العصفور إلى القفص
أغلق الباب بريشتك بلطف
ثم
امسح كل القضبان واحداً بعد الآخر
محاذراً أن تمس أي ريشة من ريش العصفور
ثم ارسم بعد ذلك شجرة
مختاراً أجمل غصونها
وللعصفور
ارسم أيضاً الفنن الأخضر والنسيم الطازج وغبار الشمس
وضوضاء حشرات العشب تحت حر الصيف
ثم انتظر حتى يحزم العصفور أمره على الغناء
فإذا لم يغنِّ
فإنها علامة رديئة
أما إذا تغنى فهي علامة طيبة
علامة أنك يمكنك أن تضع إمضاءك
انزع إذن وبكل لطف واحدة من ريش العصفور
واكتب اسمك في أحد أركان اللوحة


3-عند بائعة الزهور


رجل يدخل عند بائعة الزهور
ويختار أزهارا
بائعة الزهور تغلف الأزهار
يضع الرجل يده في جيبه
باحثا عن النقود
عن النقود ليدفع ثمن الأزهار
ولكنه في نفس الوقت
وبلا مقدمات
يضع يده على قلبه
ويسقط
وفي نفس الوقت الذي يسقط فيه
تتدحرج النقود
ثم تسقط الأزهار
في نفس الوقت الذي فيه الرجل….
في نفس الوقت الذي فيه النقود….
وبائعة الزهور تبقى هناك
مع النقود التي تتدحرج
مع الأزهار التي تتلف
ومع الرجل الذي يموت
إن هذا دون ريب لشيء حزين
وعليها أن تفعل شيا بائعة الزهور


4- لكِ يا حبي


ذهبت إلى سوق الطيور
واشتريت طيورا
لك
يا حبي
ذهبت إلى سوق الزهور
واشتريت زهورا
لكِ يا حبي
ذهبت إلى سوق الخردة
واشتريت سلاسل
سلاسل ثقيلة
لك ياحبي
ثم قصدت سوق الجواري
وفتشت عنكِ
لكني ما وجدتكِ
يا حبي


5-التلميذ الكسول


يقول لا برأسه
يقول نعم بقلبه
يقول نعم لما يحب
يقول لا للأستاذ
واقفا
تمطره الأسئلة
كل المعضلات تواجهه
فجأة تستولي عليه القهقهة المتشنجة
يمسح كل شي:
الأرقام والكلمات
التواريخ والأسماء
الجمل والمسائل
ورغم تهديدات الأستاذ
وصرخات الأطفال النابهين
فبالطباشير الملون
وعلى سبورة الشقاوة السوداء
أخذ يرسم وجه السعادة.


6- بربارا


تذكري يا بربارا
لقد كانت الأمطار تسقط بلا انقطاع في ذلك اليوم على بريست
وكنتِ تمشين باسمة
فاتنة مشرقة خلابة
تحت الأمطار
تذكري يا بربارا
كانت الأمطار بلا انقطاع تسقط على بريست
والتقيتكِ في شارع سيام
كنتِ تبتسمين
وكنت أيضا أبتسم
تذكري يا بربارا
أنتِ التي ما كنت أعرفكِ
تذكري
تذكري ذلك اليوم
ولا تنسَي
رجلا كان يحتمي تحت رواق
وجاهر باسمكِ
بربارا
واندفعتِ أنتِ نحوه تحت الأمطار
فاتنة خلابة
وألقيتِ نفسكِ بين ذراعيه
فتذكري هذا يا بربارا
ولا يزعجكِ مخاطبتي إياكِ ب”أنتِ”
فأنا أتبسط مع الذين أحبهم
حتى وإن لم أكن قد رأيتهم سوى مرة واحدة
أتبسط مع كل من يتحابون
حتى وإن لم أكن أعرفهم
تذكري يا بربارا
لا تنسَي ذلك المطر العاقل السعيد
على وجهكِ السعيد
على البحر
على مصنع السلاح
على سفينة جزيرة أوِسَّان
آه يا بربارا
ما أشنع الحرب!
ترى كيف أصبحتِ أنتِ الآن
تحت هذه الأمطار
أمطار الحديد والنار والفولاذ والدماء
وذلك الذي كنتِ ستظلين بين ذراعيه
بحب واشتياق
هل قضى نحبه واختفى أم لايزال حيا يرزق؟
أه يا بربارا
إنها تمطر بلا انقطاع على بريست
كما كانت تمطر من قبل
لكن ذلك مطر آخر فكل شيء قد أصابه التلف
إن هذا مطر حِدادي مخيف مؤلم
ليست هذه نفس العاصفة
عاصفة الحديد والفولاذ والدماء
إنها ببساطة غيوم
تنفجر بطونها مثل كلاب
كلاب تغيب على المياه
وتتعفن بعيدا عن بريست
التي لم يتبق منها شيء


7- في المنتزه على مقعده
(ترجمة شعرية)


في المنتزه ، على مقعدهِ
رجلٌ يدعوكِ إذا ما جاوزناه
يجلس ، في بدلته حائلة اللون
يعلق نظارته فوق الأنف
وإذا ما جاوزناه
يدعوكِ ، وإلا فإليكِ يشير.
لا تلقي طرفاً نحوه
لا تلتفتي لنداه!
مري ، وكأنكِ ما لاحظتِ وجوده!
وكأنكِ لم تستمعي ترديده!
وإذا حدث وأرهفتِ السمع لهُ
أو ألقيتِ الطرف إليه
سيشير إليكِ، ولا أحد سيعترض جلوسكِ قرباً منه
سوف تعانين بوحشية
أما الرجل فمبتسماً سيظل ، وبالتأكيدْ
ستزيد البسمات إذا ما ازداد الضيق..
بفظاعة
ويزيد الضيق إذا ازدادت تلك البسماتْ
نهائيا- وستبقينَ هناك
جالسة ومجمدة فوق المقعد تبتسمين
يلعب أطفالٌ قربكما
والمارة سوف يمرون بكل هدوء
والأطيار من الغصن إلى الغصن طير
وتبقين هناك
على المقعد
أنتِ على علمٍ أنتِ على علمْ
أنكِ أبدا منذ الآن ستمتنعينْ
عن اللعب كمثل الأطفالْ
أنكِ أبداً منذ الآن ستمتنعين
عن التجول
كمثل المارين هناك
ستمتنعين عن التحليق
من الغصن إلى الغصن
كمثل الأطيار

* * *

دروب
16 يونيو 2009

Monday, June 22, 2009

A Bronx Tale

walking away

Saturday, June 20, 2009

أفراح العين الزجاجية المحتقنة



إلى فلاديمير نابوكوف ...

ثلاثة أصدقاء يجلسون في المقهى .. زوجة الأول جاءت ووقفت على بعد خطوات قليلة من الباب ثم أشارت إلى زوجها الذي نهض وخرج إليها .. الثاني ظل صامتا يتابع بنظرات عدائية صديقه الواقف مع زوجته أمام المقهى .. لماذا يغضب شخص ما حين يشاهد زوجين يتحدثان مع بعضهما في الشارع ؟ .. قد تكون الأسباب المحتملة كثيرة ولكن في هذه الحالة تحديدا فليس هناك سوى سبب واحد فقط : شجار عنيف بين الثاني وزوجة الأول نتج عنه قطع علاقتهما.. بدأ الشجار أثناء مغادرة زوجة الأول لسرير الثاني وبدءها في ارتداء ملابسها .. في هذه اللحظات بدأ الثاني يتحدث بسخرية ممزوجة بالغضب عن علاقة الزوجة الجنسية بزوجها .. الغيرة المتوفرة بقوة في حديث الثاني كانت بالتأكيد تسعد زوجة الأول لكنها هذه المرة صدمت بتجاوز الأمر لحدود الغيرة إلى نوع من المحاسبة التي لا تنجم إلا عن يقين تام بالامتلاك الكامل والاستحواذ المطلق الذي يقرر حرمانها من حرية التصرف في حياتها .. زوجة الأول جابهت بحدة ما اعتبرته اعتداءً صريحا على حقها الإنساني في تنظيم علاقاتها مع البشر وفقا لاحتياجات ومتطلبات أفكارها ومشاعرها تجاه العالم والتي لا يمكن أن تخضع لأي قانون مسبق أو منطق جاهز يخص أحدا .. هذه الحدة رأت أنه من الضروري استخدامها مبكرا لوضع حد سريع يمنع طموح الثاني من التوحش ويوفر عليها مستقبلا أي نوع من الأذى النفسي الذي قد ينتج عن مواصلة أوهام الثاني في تثبيت تأكيداتها لديه بمرور الوقت .. لكن على عكس ما توقعت زوجة الأول فقد جاء رد فعل الثاني أكثر تماديا وشراسة وبدلا من أن يعيد تقييم الموقف ويتخذ بهدوء خطوات تراجعية لينسحب باتجاه موقعه القديم في علاقتهما بدأ يتهكم على زوجها بقسوة متعمدة وببرود شحذ كل طاقته العصبية للحفاظ على تماسكه المغلف بابتسامة هازئة وعينين مجمدتين على نظرة حادة .. أخبرها أن زوجها صديقه الجميل بعد أن أصابه الملل من سرقة قصائد الشعراء الغربيين قرر ارتداء الكوفية الفلسطينية والسير في مظاهرات مناهضة التطبيع ومقاطعة البضائع الأمريكية وبدأ يكتب قصائد بلهاء عن عروبة القدس طمعا في وجاهة نضالية يحاول أن يضيع بها شعوره بالدونية وسط شعراء قصيدة النثر في مصر واستبدال قناعة الآخرين عنه بكونه يكتب كلاما لا يعرف معناه بقناعة جديدة قائمة على أسس وطنية .

ربما كانت زوجة الأول تستوعب جيدا أن زوجها لم يكن هو المقصود تحديدا بهذه الإهانة باعتباره ليس موجودا الآن ولن يسمعها .. كانت تعرف أن الثاني لا يعنيه الأول في تلك اللحظة بل يطمح فقط لإصابتها باستخدامه بعد يقين امتلكه فجأة بأن الهجوم التلقائي العنيف الذي وجهته الزوجة إليه دفاعا عن حريتها في تشكيل مسارات علاقاتها معه ومع زوجها ومع أي أحد آخر في الدنيا لم يكن في حقيقته سوى عاطفة قوية راسخة في أعماق الزوجة تجاه زوجها رغم كل شيء وأنها تنشط بالضرورة في مواجهة أي تهديد يصوب ضده لمنحه الحماية اللازمة .. لكن هذا ما كان يخص الثاني فحسب أو بشكل أدق ما كان يعتقده وبالتالي لم يكن شرطا أن يتطابق مع ما تؤمن به الزوجة بصدق مع نفسها في هذا الموقف .. ربما كانت متأكدة فعلا أن هجومها على الثاني لا ينطلق من أي عاطفة كامنة تواصل الاحتفاظ بها تجاه زوجها ولا حتى من شعور ما بالمسؤلية تجاهه والتي يمكنها أن تنفي بشكل قاطع ـ لو كانت هذه المسؤلية موجودة حقا ـ أي تناقض أو غرابة بين النوم مع صديق زوجها وبين احترامها وتقديرها لهذا الزوج .. ربما كانت متأكدة أنها كانت تدافع عن نفسها فحسب .. عن خصوصيات عالمها التي لا يحق لأحد التدخل فيها والتلصص عليها وتشريحها ولو شفهيا بناء على قدراته الخاصة في التطفل والاقتحام .. قررت زوجة الأول هنا أن تستبدل طريقة هجومها على الثاني بطريقة أخرى وبدلا من الاستمرار في محاولة إقناعه بأن تعرية جسدها وفتح كافة خزائنه من أجله لا يلزمها بتعرية حياتها وفتح حجرة أسرارها ليقيم فيها .. بدلا من هذا حسمت أمرها بأن تهاجمه بطريقته وطبقا للانحيازات التي يتبناها وطالما أنه قرر استخدام زوجها في الاعتداء عليها فعليه أن يجرب إذن كفاءة هذا السلاح حين يستعمل ضده .. أخبرته بأنه إذا كان زوجها بالفعل كما قال فهو على الأقل لا يتحدث بمنتهى الثبات واليقين عن إيمانه برسوخ الشخصية المصرية وصمودها ـ خاصة في عمقها الشعبي والريفي ـ أمام كافة أشكال الطغيان والتغريب العنيفة عبر التاريخ بل ويحاسب أصحابه على عدم توفر هذا الإيمان لديهم بينما من يفتح حافظة نقوده سيجد كارنيه الحزب الوطني .

ـ أنت مجرد شرموطة

قالها فورا .. ولم لا يفعل ؟ .. ما قالته زوجة الأول كان تأكيدا لا يقبل الشك بالنسبة له على صحة استنتاجه السابق بأن عاطفتها تجاه زوجها واحترامها له وحرصها على كرامته لازلت ـ رغم كل شيء ـ هي أكثر القيم قدسية في حياتها .. كان مجبرا إذن على اعتبار كلامها بمثابة نسف كامل وغير متوقع للهامش الحصين الذي كان يبقي عليه آمنا في علاقتهما .. الهامش الذي كان يرعى بداخله أمنياته وتصوراته عن تطوير العلاقة بما يناسب إحساسه بهذه المرأة وهواجسه تجاهها ورغبته فيها والتي لم يكن من الممكن التنبوء بما ستنتجه من قرارات تتحكم في أي مصير محتمل لوجودهما معا .. كان هذا الهامش بالنسبة إليه أيضا بمثابة البيت القديم الثابت الذي يحمي ذكرياتهما الشبقية ويحوي بحرص الخام النقي للعاطفة في وحشيتها البدائية كما تدفقت في دماءهما للمرة الأولى .. البيت الذي يمكن الرجوع إليه في أي وقت حين يقرر أحدهما أو كلاهما أن ما بينهما تحول إلى متاهة كبيرة معقدة أو أن ثمة جدار صلب لا يمكن اختراقه انتصب بينهما كي يمنع توصلهما لأي نقطة التقاء .

هل هذا ما كانت تريده زوجة الأول حقا ؟ .. ربما لا .. ربما أرادت فقط أن ترتفع بالقسوة لمستوى أعلى يجبر الثاني على العودة للماضي الذي سبق هذه المعركة بينهما .. ربما فوجئت أيضا بنسف هذا الهامش المشترك ولكن باعتبار أنه هو من قام بذلك وليس هي .. فوجئت بما يشبه طلقة رصاص تخترق جمجمتها فجأة من أعلى وتندفع بشدة داخل جسدها لتحرقه من الداخل كليا بينما مشاهد قديمة وصور حية من تاريخها الشخصي تتوالى وتتداخل بتصادم عنيف ومدوّخ أمام عينيها مصحوبة بالألم والذهول والغضب والحسرة والرغبة في توديع العالم بالضحك والصراخ .. ربما فوجئت كذلك بنفسها وبما فعلته حينما حصلت على هذه النتيجة المروّعة الصادمة من الثاني .. فوجئت باستسلامها الغير محكوم لرغبتها في إيذاءه إلى هذه الدرجة والذي قد يعني في حقيقته رغبة باطنية لم تتكشف لها من قبل في التخلص من هذه العلاقة .. رغبة ليست لها علاقة بالضبط بزوجها ولا بصديقه الذي كانت تفتش أسفله عن حقائق مدهشة وغير مجربة للذة منذ قليل بل لها علاقة في المقام الأول بنفسها .. بوعيها بالحياة والموت ككل مهما كان مراوغا وملتبسا ولكنها تمتلك على الأقل اليقين الكافي بضرورة أن تقاوم بشراسة دفاعا عن حقها في الاستجابة لما تسفر عنه مسيرة هذا الوعي .

كانت قد انتهت من ارتداء ملابسها فقررت أن تفتح الباب وتغادر في صمت تام دون أن يكون لديها أدنى شك في أن مجرد التفكير في العودة ذات يوم إلى هنا لن يكون واردا أبدا .. هو أيضا لم يتكلم .. راقبها وهي تنصرف وكان يعرف أيضا أنها لن تعود .. آلامه في هذه اللحظة أخذت مسارات متعددة ومتضادة : كلماتها الأخيرة التي تواصل ذبحه وتقطيعه وتصفية دماءه .. شعوره بالندم لكونه بترها من حياته بهذا الرد المتسرع والذي أحس بشكل مباغت أنه كان أفظع بكثير مما قامت به ضده .. كراهيته للرغبة التي امتلكته فجأة بقوة وهي تنصرف في أن يعتذر لها ويطلب منها أن تنسى ما حدث ولا تتركه .. إقراره لنفسه بأن ما فعله كان إجراءا حتميا صحيحا جدا يليق بما اعتبره خيانة شعورية منها ويليق أيضا بحجم المهانة التي أصابت كرامته .. إحساسه بأنه خسر معركة شخصية مع صديقه بعد أن فشل في أن يصبح كل شيء في حياة هذه المرأة وبعد أن أضاع من يديه ما كان يعتبره هدية ثمينة من القدر مما جعل صديقه الذي لا يعرف شيئا يفوز دون أن يدري باحتفاظه بقلب زوجته وجسدها الذي فرّط فيه هو منذ لحظات .. تأمله لفضيحته الذاتية أثناء التتابع المشوش لنتائج الموقف في ذهنه والتي لم تكن أكثر من كشف متصاعد لمدى الضعف المريض به والذي يجبره بشكل مثير للشفقة لأن يحاول التحكم والسيطرة على الآخرين كي يعوّض نقصه الهائل ويشعر أنه كيان مهم ومؤثر في العالم ولو عن طريق امتلاك امرأة .. كان كشفا أيضا عن أنه مغفل كبير لكونه غير منتبه إلى هذه الدرجة لقدرة هؤلاء الآخرون على معاقبته دون بذل جهد إذا ما فكر أو سعى لأن يؤذي أحدا لأنه ببساطة كائن ضئيل جدا يسكن بيتا من زجاج هش فكان يجب عليه إذن أن يكون حكيما ولا يستفز من يقدر على تحويله لأشلاء بكلمات قليلة .. هذا ما ظل يفكر فيه بعد أن أصبح وحيدا في منزله وهذا ما ظل يتذكره وهو يراقب صديقه الواقف يتكلم مع زوجته خارج المقهى .. صديقه الذي عاد وجلس ثانية بعد انصراف الزوجة التي لم تلتفت ناحية المكان الذي يجلسون فيه إطلاقا .. الصديقان سيواصلان حديثهما بشكل عادي جدا عن القصائد واللوحات والنساء والكتب والأفلام والنقاد والسياسة والمؤسسات الثقافية الرسمية والصحافة الأدبية والندوات وكافة الأشياء الأخرى المسببة للضحك أحيانا وللصمت أحيانا أخرى .

لكن ماذا عن الثالث ؟ .. ألم أذكر في البداية أنهم كانوا ثلاثة أصدقاء يجلسون في المقهى ؟ .. الصديق الثالث لسبب أو لآخر كان يعرف الحكاية الجميلة .. كان أيضا يريد أن يتصرف مع صديقيه الآخرين وفقا لهذه الحكاية .. لم يكن يريد أن يجرح أو يؤذي أحدا وللعلم هو صادق جدا في هذا .. كان فقط يريد أن يستخدم حكاية الصديقين والزوجة في تثبيت مصباح أحمر داخل روح كل من صديقيه بحيث يضيء فورا حين يفكر أي منهما في خدش كرامته .. كان يريد أن يخبرهما بشكل غير مباشر أنه يعرف الحكاية أو يلمّح لهما مجرد تلميح بالأمر وأن عليهما إذن أن يحرصا تماما على عدم استفزازه حتى لا يتكلم بصراحة مطلقة أمامهما وأمام الجميع .. الصديق الثالث فشل ببراعة وكالعادة في أن يحقق هذا ولم يتمكن من إحداث أي تغيير في علاقته بصديقيه .. كالعادة أيضا ظل يرجع كل ليلة من المقهى إلى بيته سعيدا وهو يردد بدخله: أنا أعرف الحكايات .. أنا أعرف الحكايات .. أنا أعرف ...

امبرتو إيكو وفلسفات التأويل


ولد امبرتو إيكو سنة 1932 في مدينة ألكساندريا، في شمال إيطاليا. وبعد دراسته الجامعية في الفلسفة، ناقش سنة 1954 أطروحته عن ''الأستطيقا عند توماس الأكويني''. وبعد ذلك دخل الحياة من بابها الواسع أستاذاً جامعياً، وصحفياً لامعاً في الوقت نفسه

ما يميز أعمال امبرتو إيكو أساساً هو ازدحامها بعوالم قروسطية قديمة، فبعضها يقتحم دهاليز الأديرة، ويتلبَّس البحث عن الكتب السحرية ''اسم الوردة''، أو يرسم تجارب أطفال الشوارع في القرن الثاني عشر الميلادي (بودولينو). والبعض الآخر تنظير ودراسات نبيهة تنفش الخيوط المُعقدة التي تربط المؤلف بالنص المؤوَّل، أو تفضح مكائد وحِيل السرد مثل ''ست جولات في الغابة القصصية'' و''العمل المفتوح''. وفي كتابه ''التأويل بين السيميائيات والتفكيكية'' فصل طريف يعيد فيه أسس معظم أطروحات نظريات النص والتأويل المعاصرة إلى مدارس قديمة جداً كالهرمسية والغنوصية وغيرهما من المدارس التأويلية التي راجت في القرون الأولى للميلاد

تكمن أهمية دراسات إيكو المتعلقة بهاتين المدرستين القديمتين اللتين شكلتا لحظة انحلال العقلانية اليونانية القديمة، واللتين راجتا في الإسكندرية وحران وإنطاكية، في القرنين الأول والثاني للميلاد، في أنها تكشف بعض الخلفيات الفكرية الأيديولوجية لنظريات يتعاطى معها كثيرون اليوم كما لو كانت رؤى محايدة، منهجية في ذاتها، في حين أن ثمة تاريخاً مفهومياً وتصورياً طويلاً وعريضاً يقف خلفها، ويرتبط في الغالب الأعم بالتاريخ الفكري والديني الغربي. وفي مقدمة تلك النظريات المنجز الغربي المعاصر المتعلق بنظريتي التأويل والاستقبال

من أجل تأصيل طرحه حول مغامرة أو مجازفة التأويل يعود امبرتو إيكو مع تاريخ الأفكار إلى عصر البدايات والمدارس الفلسفية والتأويلية القديمة، فيقوم بعملية حفر جريئة في الفلسفة اليونانية القديمة وفي المدارس الهرمسية والغنوصية ليثبت أن معظم ما هو متداول الآن من مفاهيم بخصوص التأويل، والتأويل المضاعف للنُّصوص، إنما هو موجود بالقوة أو بالفعل في طرح تلك الفلسفات والعقائد القديمة؛ فكل نص، وبحسب التصوُّر الذي سعى لتأصيله، هو أفق مفتوح لجميع التأويلات على نحو يجعل الحدود غير واضحة تماماً بين كينونة النَّص/ النّاص، المؤوَّل/ المؤوِّل، لأن التأويلات تتعدَّد بتعدُّد المؤوِّلين، بل وتتغير بتغير المؤوِّل الواحد، وتتلوَّن بما يكون عليه من حال، وبحسب استراتيجيته القرائية وصيرورة ذاته ووعيه

لكي يبرهن على أن ثمة جذوراً قديمة ـ هي الجذور الحقيقية ـ لكثير من طروحات آخر المدارس التأويلية، ينطلق إيكو من عرض لمفهوم التأويل اللامحدود عند المدرسة الهرمسية، التي تفتح أي نص أو أية حقيقة على مصراعيها لتقبل جميع التأويلات حتى أكثرها تناقضاً، وقد قضت بذلك شيئاً فشيئاً على أبسط مبادئ وبديهيات ومُسلَّمات المنطق كمبدأ الهوية، أو عدم التناقض أو الثالث المرفوع. تعتبر المدرسة الهرمسية قديماً مدرسة باطنية لأنها لا تشترك مع نفس الموسوعة المعرفية السائدة في المنطق نفسه ولا في اللغة نفسها، بل لقد أصبحت اللغة عندها (بقدر ما تكون غامضة ومتعددة، بقدر ما تكون غنية بالرموز والاستعدادات)

وهكذا فإن فكر هرمس ـ كما يلاحظ إيكو ـ يؤسس لمفارقة عجيبة فيما يتعلق بموقفه من اللغة والنصوص وتأويلهما، فهو يحوِّل العالم كله إلى مسرح لغوي، ظاهرة لسانية، وفي الوقت نفسه يحرم اللسان من أية سلطة إبلاغية محددة أو قاطعة

إن المدرسة الهرمسية على رغم كونها تأويلية صرفة، وقديمة تعود للقرون الأولى للميلاد، إلا أنها أسست الإطار الذي نمت ضده طروحات العقلانية الحديثة، بل ''إن اللاعقلانية الهرمسية ستتأرجح، بدءاً من هذا التاريخ، بين الصوفيين والخيميائيين من جهة، وبين الشُّعراء والفلاسفة من جهة أخرى؛ من جوته إلى جيرار دونيرفال وبيترز، ومن شلينج إلى فرانز فون بادن، ومن هايدجر إلى يونج''. وأكثر من ذلك يذهب إيكو إلى أن ''الفكرة التي عبَّر عنها بول فاليري بقوله إنه لا وجود لمعنى حقيقي للنص، فكرة هرمسية''. لأن الهرمسية في مؤداها التأويلي، وفي رؤيتها للعالم باعتباره نصاً مفتوحاً، وللنص باعتباره عالماً مُشرعاً وأُفقاً لانهائياً، هي احتفاء مُطلق بلانهائية التأويل، فالنص واللغة والمتن المقروء، هي دائماً المكان الذي تتطابق فيه كل المتناقضات، ليختفي هو ذاته، (ومع ذلك فإن ما يشكِّل احتفاءً بتطابق المتناقضات هو نفسه ما يؤدي إلى انهيار مبدأ الهوية. فكل شيء مرتبط بغيره)

في الفترة الزمنية نفسها التي عرفت رواج الهرمسية، راجت الغنوصية أيضاً، وهي مدرسة باطنية تأويلية أيضاً، ولذا فهي تتعاطى مع إشكالية التأويل من منظور لا تفض فيه الاشتباك بين المؤوِّل والمؤوَّل، فتحت تأثير رؤى صاعقة، بلور إنسان القرن الثاني الميلادي وهو يتلمس طريقه في بحر من الظلمات، وعياً عصابياً يتعلَّق بدوره داخل عالم غير قابل للفهم. إن الحقيقة سر، ولن تجدي مساءلة الرموز والأحاجي للكشف عن الحقيقة النهائية، فذلك لن يؤدي إلا إلى تغير هذا السر من موقع إلى موقع آخر. فإذا كان هذا هو الشرط الإنساني، فإن هذا يعني أن العالم نتاج شيء ما، وسيكون التعبير الثقافي عن هذه الحالة هو الغنوصية

إن الوعي حسب المدرسة الغنوصية قائم على الحدس، وقد سعى نقاد أدبيون كثيرون إلى التنبيه بأن المدرسة الرومانسية الحديثة تجد الكثير من طروحاتها في التصوُّر الغنوصي للعالم. بل لقد تمادى آخرون أكثر من ذلك ليردوا إليها بعض الطروحات الماركسية والنفسية التحليلية، وبطبيعة الحال السيميائية، وإن كانت هذه الأخيرة تبدو أكثر إقناعاً لما توليه لمفهوم (السر) الذي هو أحد أعمدة الغنوصية والهرمسية معاً، والذي بموجب ما توليانه إياه من أهمية اعتُبرتا مدرستين تأويليتين باطنيتين أصلاً، وذلك بتأكيدهما على أن السر يمنح من يمتلكه موقعاً استثنائياً. فالسر شبيه بجاذب مغناطيسي له محددات اجتماعية خاصة. إنه مستقل عن السياق الذي يعد هو حارسه. وتزداد فاعلية هذا السر كلما كان امتلاكه كلياً ونهائياً

بصفة عامة، أراد امبرتو إيكو، أن يرد إلى الهرمسية والغنوصية والفلسفات القديمة معظم طروحات السيميولوجيا والتفكيك المعاصرين. فغاية نظريات التأويل، هي كل ما عبرت عنه تلك المدارس القديمة، كالقول إن النص بصفة عامة فضاء مفتوح، وبأن اللغة هي في جوهرها عجز عن الإمساك بأية دلالة، ومسرح صاخب وسوقي للمتناقضات. كما أن أي نصٍّ يدّعي قول شيء ما محدَّد وثابت المعنى موضوعياً، يُعلن في الواقع عن تناقضه وعن لاتساوقه، وذلك لأن القراءة والتأويل لا نهائيان، وفيهما تحل قصديَّة القارئ أو المؤوِّل محل قصديَّة الكاتب التي تستعصي على الضبط، ولحظتها سنصل إلى الحقيقة، حقيقة أن الكاتب لا يعرف ما يقوله، فاللغة هي التي تتحدث نيابة عنه

وبذلك نتمكَّن من تحقيق أولى الإزاحات؛ إزاحة وصاية ''المؤلف'' وموته. أي موت ذلك الكائن الخفي المتسلِّط عبر الهالة الفوقية النَّصية فارضاً قصديته وتأويلاته على لانهائية المعنى والتأويل وثرائهما


* * *

حسن ولد المختار

إيلاف

2007 الأحد 2 سبتمبر


Friday, June 12, 2009

The Thing About My Folks

Thursday, June 04, 2009

Sideways Trailer

Tuesday, June 02, 2009

الحرمان من التفاؤل واليأس


لأنني لن أنتحر طبعا كان عليّ إذن أن أبحث عن طريقة أخرى للتخلص من الحياة غير الموت .. أجلس الآن داخل شقتي في الفترة الفاصلة بين العصر والمغرب ـ وقتي المفضل من اليوم منذ الطفولة .. حين تكون بمفردك وتنتهي من قراءة كتاب كـ ( التاريخ الكوني للخزي ) لبورخيس أو تشاهد وتستمع لأغنية كـ ( moonlight in Vermont ) لفرانك سيناترا وإيلا فيتزجرالد فمن الطبيعي جدا أن تشرد فجأة وتقرر بداخلك أن العزلة جميلة الآن لدرجة أن تتمنى بقوة العثور على طريقة تبقيك رغم كل شيء بالبيت وتمنع أي أحد من الاتصال بك .. طريقة تضمن حمايتك الكاملة من الاحتياج للخروج والتعامل مع الآخرين حتى تصبح منسيا بالتدريج .. أشعر في هذه اللحظة أنني بلغت قمة الاكتفاء بذاتي ولا أريد أن أرتكب أي أخطاء أخرى لو تجاوزت باب الشقة أو حتى طللت برأسي من النافذة .. أعرف أن بالخارج ركام هائل يخصني من الحكايات المتخمة بالأشخاص والأحداث السيئة .. ركام بدأ تشييده في لحظة مجهولة بالنسبة لي لا يمكنني تحديدها أبدا ولكنني أعرف أنها حدثت قبل مجيئي للحياة حينما كان السابقون في أسرتي يعتنون جيدا بالميراث الذي سيترك لي بعد أن يرقد أغلبهم تحت الأرض وبعد أن يكون هذا الميراث قد أخذ وقته الكافي جدا في النمو والثبات والتوحش .. في الشارع ووسط البشر لا أعتبر نفسي سوى مجرد استمرار عادي لتاريخ لم يكن جميلا .. التاريخ الذي أشعر بيقين أن الغرباء قبل الأقارب والأصدقاء يعرفونه تماما ويحتفظون به بإخلاص تام وتجرحني به عيونهم وابتساماتهم والفراغات المائعة بين كلماتهم العادية لي .. منذ البدايات المبكرة لشبابي وحتى الآن وأنا أحاول أن أفعل كل ما في وسعي لوضع حد أو البدء من جديد أو صنع انحراف ما بأي شكل للمسار التقليدي المعتاد الذي أجبر القدر أسرتي على اتخاذه ودائما كانت النتيجة هي نجاحي الباهر في تدعيم هذا المسار البائس بمنتهى الكفاءة كإبن بار لا يمكن أن يكون انتماءه لأسرته محل شك .. لماذا حين أفكر في نفسي وفي أسرتي وأتفحص كل ما أقدر على استعادته من الذاكرة أعتبر الناس جميعهم وبلا استثناء ملائكة ناصعي البياض ولا يشوب صفاء ماضيهم وحاضرهم شائبة وأننا فقط كنا محتكري الشر الوحيدين والمفروض عليهم بالضرورة ألا يتوقفوا أبدا عن الشعور بالخجل حتى مع تعاقب الأجيال وتغير الزمن وتبدل المكان ؟ .. لدي ما يكفيني جدا عن الناس والذي يجعلني أعتبر أسرتي بالمقارنة بهم عادية للغاية بل وأقل من حيث كل شيء : المشاكل الكبيرة التي لم تهدأ خاصة بين أبي وأخي الأكبر والطباع السيئة لدرجة المرض التي كان والدي مصابا بها وبالطبع نقل تأثيراتها السلبية إلى زوجته وأبنائه .. الحروب والصراعات والخصامات بيننا كأشقاء لدرجة أنني طوال ما يقرب من عشرين عاما عشتها في منزل الأسرة منذ لحظة ميلادي وحتى وفاة أول فرد بها وهو شقيقي الأكبر لم أرى شخصين جالسين معا ويتبادلان مجرد حديث ودي أو حتى كلام عادي إلا نادرا .. كذلك الشجارات الهيستيرية المتواصلة بين أبي وأمي وإخوتي التي طالما جمّعت جيران العمارة في بيتنا والعابرين في الشارع أسفل شرفتنا .. أيضا أسرار الماضي التي لم أحاول استفزاز غموضها والكشف عنها كي لا تزيد آلامي ولأنها في حقيقة الأمر لا تهمني لكونها لا ترتبط مباشرة بتجربتي الفعلية داخل السياق الأسري .. كذلك أنا : حساسيتي الشديدة منذ الصغر وحتى الآن من دعابات الآخرين الثقيلة التي تطال الكرامة .. عدم قدرتي وأنا طفل على مجاراة زملائي في المدرسة من أصحاب المواهب التي كانت تبدو لي خرافية والتي كانوا يتمتعون بها : القوة الجسدية .. الجرأة .. الدهاء .. الشخصية القوية .. الحصانة ضد الخدع والمقالب .. بذاءة اللسان اللامحدودة والبراعة في تطوير قاموس الشتائم بشكل متواصل .. القدرة الفريدة على مزج الأذى بالكوميديا حيث يتعطل فجأة ورغما عنك تعاطفك مع الضحية وتزداد بشكل عجيب رغبتك الحقيقية في الضحك مع ارتفاع مستوى الشر أو العنف .. كان انعدام وجود هذه المواهب في شخصيتي دافعا قويا لأن أكون موضوعا دائما للسخرية خاصة مع محاولاتي اليائسة للحصول عليها أو لادعاء أنها لا تنقصني والتي كانت ترسّخ طوال الوقت قناعة باقي التلاميذ بكوني مجرد مغفل مدلل أسريا يريد ـ كأي أحمق ـ أن يعيش دورا لا يناسبه ولهذا فسذاجته كنز لا يفنى .. حتى بعد أن تجاوزت المراحل الدراسية لازلت أجلب حتى الآن لروحي مهانة التهكم وجروح الاستهزاء على يد الآخرين .. الآخرون الذي يمنحونني رد الفعل المناسب من وجهة نظرهم لسعيي المحموم للحصول دائما على تقدير الذات وأيضا للتباهي والفخر المعلن بنفسي لدرجة الفضيحة أحيانا وكذلك لاختبائي المكشوف وراء قناع هزلي من الصلابة والسخرية والخبث وعدم الاكتراث والفساد الإخلاقي .. رغم كل هذا يمكنني ببساطة أن أنتزع ذهنيا أي شخص لا ينتمي لأسرتي من بين المخلوقات الكثيرة التي أعرفها وأنا مغمض العينين ودون أن أحتاج وقتا أو جهدا كبيرا في تشريح حياته سأعثر على ما يقوي تأكدي البديهي من أنه ليس لدي ما يجبرني على الشعور بالإحراج .. حسنا .. لكن لماذا لا يفارقني الغضب والحسرة على نفسي وعلى أسرتي وعلى كل سنواتنا القديمة ؟ .. لماذا أشعر دائما أن الماضي لم يكن سوى لعنة أبدية لن يمكنني محوها ولا التحرر منها وأنها تمنعني من أن أعيش هادئا كبقية الناس ؟!! .. حتى هذه اللحظة لم أفهم كيف ينجح الآخرون في قتل الوحش الذي يطاردهم من الخلف عبر الزمن ويصدّرون للعالم بمنتهي الثقة إيمانهم بالقدرة على عيش حياة جديدة كأن شيئا لم يحدث ؟ .. على الأقل كيف ينجحون في تجاهل هذا الوحش العجوز الذي يزداد شراسة مع تقدم عمره ويتحركون في الدنيا كأطفال مولودين للتو وموقنين بقطيعة حادة مع أي لحظات حزينة فائتة ؟ .. أطفال يفقد كل منهم ذاكرته أولا بأول بحيث لا يمكن لأي ماضي أن يسبب لهم الإزعاج بحضور قاس داخل أعماقهم ويجعل حياتهم متاهة ضخمة ومعقدة من المتاعب والاضطرابات ؟ .. ربما أنا الذي أراهم هكذا فحسب في حين أنهم مثلي غاضبون ومتحسرون على كل ما سبق ويعتبرون أن الماضي لعنة أيضا .. الحياة إذن تنمية لمهارات دفن الذكريات الخانقة في أبعد مقبرة داخل الروح .. المقبرة التي لا يجب أن يعرف الطريق المؤدي إليها إلا صاحبها .. أن تؤلمه هو فقط وألا يشم رائحتها أي أحد آخر حتى لا يزيد الألم .. الآخرون لا يفعلون في النهاية سوى ما أفعله أنا : تنفيذ مهمتك الوجودية في إدعاء أنك غير موبوء بما تخجل منه أو على الأقل أن وباءك الشخصي مهما كان ثابتا بقوة في الذاكرة الجماعية للناس فهو لا يعنيك على الإطلاق ولن يمنعك أبدا من مواصلة الحياة حتى لو كانت هذه الحياة عبارة عن تفاقم متسارع لشدة الوباء .

لا أريد أن أخرج من البيت .. لماذا أخرج ؟ .. البيوت والمحلات والكازينوهات القديمة التي كانت في ( الثمانينيات ) تُهدم بانتظام لتصعد مكانها ناطحات سحاب خجولة تتراص أسفلها مطاعم وكافيهات ومحلات ملابس وأحذية على الطراز الغربي الحديث امتثالا لأمر أثرياء ( اليورو ) الجدد من الريفيين الذين نجوا من الغرق قبل سنوات بعد أن ألقت بهم قوارب الهجرة غير الشرعية بالقرب من شواطيء أوروبا .. أي فراغ يُكتشف بقاءه على كورنيش النيل يخترقه فورا قضيب سكني ممدود من طبيب كبد استفاد تماما من التحالف بين أسلوب النظام الحاكم في تنفيذ الإبادة الجماعية عن طريق الطعام والماء والدم الملوث وبين نتائج أبحاث مضاعفة الأرباح التي تخرج من معامل ومختبرات شركات الأدوية العالمية .. أو من أحد الشيوخ الذين عينتهم آبار البترول السلفية في الفضائيات لاستقبال توبة الفقراء عبر الـ SMS .. أو من ضابط شرطة يقسّم وقته بالتساوي بين حجرات التعذيب وفيلات تجار المخدرات والسلاح وشقق الدعارة التي يديرها أو يحصل على رواتب شهرية منها .. الشوارع محتلة من المحجبات والمنقبات والمخمرات ومن أصحاب اللحى الطويلة الذين يرتدون الجلاليب والسراويل القصيرة ويسيرون بحماس عدائي وهم يفردون صدورهم وعضلاتهم كأنهم في حالة جهاد شرعي عام انتظارا لتحول البشر إلى بدو وكوكب الأرض إلى صحراء جميلة خالية من الكفر .

أريد أن أخرج .. أحلم بيوم كامل أقضيه منذ بدايته وحتى ونهايته بصحبة أخي نمر فيه بسيارته على كافة أماكن الحنين : ما تبقى من بيوت أقاربنا وأصدقاء طفولتنا والمدارس التي تعلمنا فيها والمقاهي والشوارع والمحلات التي مازالت تقاوم الغياب .. أريد أن نتبادل أنا وأخي في كل مكان حكاياتنا عنه بحيث لا يبدأ أي منا كلامه للآخر إلا بكلمة : ( فاكر ؟ ) .. أخي الذي سيضحك كثيرا ويتهمني بالعته قبل أن يتجاهل وينسى سريعا رغبتي هذه إذا ما صارحته بها .. نعم .. من الأفضل أساسا ألا أخطط لاستعادة الماضي بهذا الشكل .. يجب أن أحذر من الاطمئنان لتحقق سعادة استثنائية ناجمة عن تجاوز التذكر العادي إلى التحرك جسديا بشكل مباشر نحو مواطن الذكريات .. حين لا تتمكن من تجاوز التذكر العادي فأنت بالتأكيد فريسة سهلة متاحة طوال الوقت للذهول والتعاسة وحين تتمكن ـ ربما بمعجزة ـ من أن ترجع بنفسك إلى ما تركته منذ طفولتك ولم تعد إليه حتي الآن ومع ذلك تفشل في استرداد الماضي كما كان بالضبط فأنت مجرد جثة مستيقظة .

أنهض لأتجه إلى حجرة النوم .. أرتدي ملابسي وأنا أشعر بالدوار .. أنظر لوجهي في المرآة .. يبدو أنني لن أنتحر ولن أعثر على طريقة أخرى للتخلص من الحياة .. أتجه إلى باب الشقة .. الاستمرار في الدنيا رغما عنك هو بالضبط ما يعنيه أن يظل جبل المكعبات الذي تجلس على قمته يرتفع بك أكثر وأكثر بينما عدم فهمك لما حدث بالأسفل ويواصل الحدوث يزداد بلادة وسادية .. أغلق الباب ورائي وأنزل السلالم .. دفن الماضي والتحسر لفقدانه .. أيا يكن من سأقابله في الشارع أو في المقهى لن أخبره بالتأكيد أنني ربما أكون الوحيد في الكون الذي يعتبر المكعبات لعبة مملة جدا .

ABBA - Mamma Mia

Saturday, May 30, 2009

تريلر فيلم شرج الطفل الممتع


طالما أخذ الألم كل هذا الوقت

دون أن يصل إلى الأورجازم الأخير

ودون أن يعود إلى موطنه الأصلي

في ثلاجة الغيب

على الواقف في شرفة الطابق السادس إذن

ألا يستمر في الصعود إلى السماء

كل ظهيرة

واستعمال كرامته كإزميل

في حفر ثقب وهمي

لا يصلح للهرب من جمال الطبيعة

وأُخوّة البشر

عليه أن يكون عمليا أكثر

ويعترف بالصلابة المحايدة

للسقف البريء

وألا يفرض دون مبرر

مسؤلية أخلاقية

على أب طيب

أرهقته المسؤليات المبررة .

على الواقف في شرفة الطابق السادس

ألا يترك جسده للجاذبية

ويعثر في المقابل على طريقة مبتكرة

يتخلص فيها من نفسه

كمجرد ذكرى سيئة

أنهكت ذهن ملاك متردد

لا يزال يختبر قابلية العالم

لمجيئه القادم .

عليه أن يختفي

كجرح عميق وملوث

في وجه نبي مختبيء

لم يجهز حتى الآن أجوبة مناسبة

تؤهله لاقناع المجادلين .

على الواقف في شرفة الطابق السادس

أن يُقطف

كوردة مستفزة

رغما عنها

غرسها أعمى قديما

في أرض غير ملائمة

بتحريض من خياله المريض .

عليه أن يُمزق

كمسودة مكتوبة بالقلم الرصاص

ومتخمة بالأخطاء

عن تصور القدر

للسعادة الكونية المقبلة .

على الواقف في شرفة الطابق السادس

أن يُحرق

كدمية انتهى وقت جلوسها

مكان سائق السيارة

المنطلقة بسرعتها القصوى

في اختبار الوسادة الهوائية المعطلة .

عليه أن يُبتر

كإصبع مصاب بالغرغرينا

لشيطان فقد الوعي

بينما يشير إلى الاتجاه الغامض للحقيقة .

على الواقف في شرفة الطابق السادس

ألا يترك جسده للجاذبية

ويعثر على طريقة مبتكرة

يتخلص فيها من نفسه

كآخر عقبة

كانت تؤخر وصول الاحترام المناسب

للضعف .

عليه أن يستغل وقته الكوميدي

وطاقته الكوميدية

في محاولة التوصل

إلى ما يمكن ـ فقط ـ العثور عليه .

ثلج الأمس / الشاعر النمساوي جيرالد جراسل


قصائدي اليوم

هي ثلج الأمس

ما كان بالأمس خطأ
سيظلّ غدا خطأ

ما كان بالأمس صوابا
سيظلّ غدا خطأ

أصدقاء الأمس
هم اليوم أعدائي

أعداء الأمس
هم اليوم أصدقائي

ما هو اليوم صواب
لن أذكره غدا

ما سيكون غدا صوابا
هو اليوم خطأ

من كانوا بالأمس يسألونني
كفوّا اليوم عن سؤالي

من هم اليوم يسألونني
سيكفوّن غدا عن سؤالي

من هم غدا سيسألونني
ألقوا أسئلتهم عنّي بالأمس
و أجبت عنها
٠٠٠
بالأمس

لكنّني لا أستطيع
الإجابة عنها اليوم
و لن أستطيع ذلك غدا

ما أعرف
هو أننّي أسعى لذاك سبيل
أسكن فيه
لقصائدي اليوم
ثلج الأمس

* * *

من ديوان أخبار من الطّابق رقم 31

ترجمة كوثر التابعي
دروب
20 مارس 2009

Saturday, May 16, 2009

ما بعد إنكار الإله لوجود ميدان طلعت حرب


هل ما أطلبه منكِ كثيرا بالفعل ؟ .. هل هو صعب وقاسي عليك إلى هذه الدرجة ؟ .. لا تحاولي إقناعي بهذا .. تعلمين أننا أصبحنا متحررين من الالتزام بأي واجبات أخلاقية وعاطفية كنا نتمسك على الأقل بالحد الأدنى منها كي يجد كلا منا سببا للبقاء في حياة الآخر .. لم يعد أيا منا الآن مسؤلا عن حماية الثاني من الأذى أو مجبرا على أن يضمن له أي قدر من الحفاظ على سلامة مشاعره من الألم .. تعرفين أيضا أنني أضعف من أن أمثل تهديدا لكِ أو لغيرك .. لماذا لا تستجيبين لي إذن ؟ .. تذكري من فضلك أنني لم أخبيء عنك شيئا أبدا .. أنا تقريبا كنت طوال الوقت عاريا أمامك .. تذكري ما حكيته لكِ عن طفولتي التي عشتها في قريتي القذرة وعن الطباع والعادات الريفية الغبية والمضحكة لدى أبي وأمي وأقاربي وبالطبع اللهجة البشعة .. هل تتذكرين كيف أضحكتك كثيرا وأنا أؤدي بها عروضا كوميدية أقلد فيها فلاحي عائلتي كلما رأيتك حزينة ؟ .. تذكري أيضا ما حكيته لكِ عن ( المنصورة ) وسنوات الدراسة ونادي أدب الجامعة ونادي الأدب بقصر الثقافة والمقهى والنادي اليوناني والندوات التي كنت أشعلها بتهكمي اللاذع على الكتّاب الذين لم تكن نصوصهم أكثر من إعادة تدوير لما تبرزّه محمود تيمور ونجيب محفوظ ويوسف إدريس والمتنبي وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور ونزار قباني وتشيكوف وموباسان .. حكيت لكِ عن المسجّل الصغير الذي كنت أخبئه وهو يعمل في حقيبتي كي أوثق به سباب وسخرية أحد الأصدقاء من صديق آخر بتحريض غير مباشر مني كي أعيد تشغيله فيما بعد أمام أذني الصديق الآخر المسبوب والمسخور منه بصفتي حريصا على كرامته المهانة .. تذكري أيامنا الجميلة معا بعد مجيئي إلى القاهرة واستقراري بها .. تذكري النقاشات والضحكات و( الاشتغالات ) الرائعة مع أصدقاءنا الكتّاب والمدونين على ( زهرة البستان ) و( التكعيبة ) و( الندوة الثقافية ) .. تذكري كتابات ( بارت ) و( فوكو ) و( دريدا ) التي نحبها والتي كنا نجلس ونتبادل آراءنا وأفكارنا عنها لساعات .. تذكري طلابي الأجانب الذين عرفتِك بهم وكنت تشاركينهم أحيانا حصص الأدب العربي التي أدرسّها لهم .. تذكري التصاقنا أثناء الوقفات الاحتجاجية على سلم نقابة الصحفيين .. تذكري أول سيجارتي بانجو دخنّاهما معا في شقتي بـ ( المنيب ) .. أول حضن وأول قبلة وأول لمسة من يدي لثديك ومن فمك لعضوي .. تذكري أول تدفق لسائلي المنوي بين فخذيك .. تذكري حفل زفافنا وحفل توقيع كتابي بمكتبة ( البلد ) وحفل عيد ميلادك في ( ( cilantro.. تذكري كل حفلات ( التهييس ) التي أقمناها في بيتنا وشاركنا فيها الأصدقاء تأدية أدوار فكاهية ساخرة قلّدنا فيها السياسيين والإعلاميين والشيوخ والفنانين والنقاد والمثقفين وأنفسنا أيضا .. بحق كل شيء عشناه معا وتشاركنا خوضه ويمثل لكِ ذكرى جديرة بالتقدير أريدك أن تخبريني : كم مرة نام معكِ صديقنا العزيز ( ممدوح رزق ) ونحن متزوجان ؟ .. صديقنا الإقليمي الخانق الذي لم يقم في ( القاهرة ) لأنه يكرهها ولأنه ـ بحسب قناعاته الخائبة ـ لا يمكنه العيش في مدينة لا توجد له ذكريات طفولية فيها ولم يدفن في أرضها موتى من أسرته .. ما علينا .. من نام معكِ غيره أيضا وكم مرة وأين وفي أي وقت ؟ .. أنا أعرف أن سكوتك هذا أبعد ما يكون عن الخجل والإحراج وأقرب ما يكون إلى الخبث والسخرية مع قدر محتمل من الإشفاق عليّ .. أعرف أن رفضك للكلام لا يمكن أن يكون نتيجة أي نوع من الحرص على مستقبل جميل يمكن أن يجمعنا مرة أخرى في سياق جديد بعد طلاقنا .. صدقيني لن يفيدك السكوت ولا الخبث ولا السخرية كما أنك مخطئة بالتأكيد في الإشفاق عليّ .. هل يتعذب الله بسبب المعلومات التي يجمعها عن البشر ؟ .. اعتبريني مثله يا سيدتي ولكن مع فارق بسيط وهو أنني لن أجعلكم تنتظرون حتى الموت كي تعرفوا النتيجة .. أنا قررت أن أغفر لكم جميعا ودون أي استثناء .. تكلمي من فضلك .. أرجوكِ .


Monday, May 04, 2009

كيف ينظر المصريون إلى سنوات ( السادات ) و ( مبارك ) ؟


اتفقوا واختلفوا لكنهم أجمعوا على أن الماضي كان أجمل


ربما كان محقا من يعتبر أن كل عهد يستحق أسئلته المستقلة ـ وهي بالطبع أسئلة لا يمكن أن تنتهي ـ أو بمعنى أدق يستحق ( موضوعه الخاص ) بصفتنا نتناول الأمر هنا من خلال قصة صحفية تتفادى عن عمد وبقدر ما تستطيع ما يحتمل أن يضعها في تشابه أو تماس مع تقرير أو بحث أو دراسة .. قد يكون محقا بالفعل ولكن أتصور أن هذا في حالة أن يكون بطل هذه القصة هو أي تاجر لامع وأنيق ينتمي إلى النخبة التي تستثمر الكوارث والجرائم والأزمات في الفضائيات العربية والتي لا تكمن أكبر مهازلها في أرباحها الدموية وإنما في تصديق نفسها كطبقة نبيلة منسحقة تمارس نضالها السياسي والاجتماعي والثقافي ضد السلطة المتفق معها على تبادل الحماية والدعم .. لكن بطل هذا الموضوع هو ما يمكن أن نطلق عليه ببساطة وبتلقائية لوحة التصويب .. الروح المحاصرة والمقيدة في مكانها وتتلخص مهمتها في تلقي كافة أنواع الطعنات والطلقات دون أن تمتلك ما يمكن أن تدافع به عن نفسها أو حتى القدرة على التعبير عن آلامها .. البطل هنا هو الفرد العادي المشروط نجاحه في لعبة الانتماء المضحكة بمدى خضوعه للمصير الذي يقرره مصاصو الدماء من أجله .


سمير الأمير ـ 58 سنة / مدرس

لا فرق بين السادات ومبارك .. توجه السادات إلى الناحية الأخرى المضادة لثورة يوليو بخطوات بطيئة تسارعت في عصر مبارك .. لا اشتراكية .. لا قطاع عام .. لا مجانية .. كل الأشياء أصبحت سلعة : التعليم والصحة والثقافة والهواء يتم الاستثمار فيها لدينا اقتصاد قائم على خلق الأزمات عمدا لحلها وفقا لمصلحة الرأسمال الخاص .. لو لم يكن هناك أزمة في التعليم ما كان هناك تعليم الخاص وكذلك الصحة والمستشيفات الخاصة ... إلخ .. قرار الحرب لم يكن قرار السادات وإنما كان استجابة لما هو حتمي فما كان منه إلا أن نفّذ قرار السلطة السابقة له ولكنه يظل أفضل ما فعله السادات .. هناك أشياء لم تكن بذهن القيادة العسكرية لأنها دخلت لتحرر الأرض طبقا لعقيدتها القتالية الثابتة ( القوات المسلحة ) أما أنور السدات فدخل المعركة ليحرك الموقف طبقا لنصائح أمريكا الراغبة في أن ترتكز على مصر لمعرفتها بضرورة مصر التاريخية لأي امبرطورية .. لايوجد أي ساذج يعتقد أن زيارة اسرائيل كان قرار قرار السادات .. هذه أكبر أكذوبة على الشعب المصري وأمريكا هي التي وراء قرار زيارة السادات لاسرائيل .. الخبز المدعم ونحن لازلنا طلبة كان فرحة حقيقية رغم احتواءه على كم كبير من السوس والدود .. ربما كان السادات شخصا واهما لا يعرف إلى أين يذهب ولكن المؤكد أن رجال مرحلة ما بعد السادات يعرفون جيدا ماذا يفعلون بهذا الوطن .. إنهم يستثمرون الوطن .. أنا أصدقهم حين يرفعون لافتات التأييد وحين يقولون عن هذا العصر أنه عصر الرخاء لأنه كذلك بالفعل بالنسبة لهم .. المثقفون كانوا فاعلين ثم تحولوا إلى مرتزقة .. القيم الإنسانية لم تتغير ولم تتبدل وإنما الواقع الجديد يعاقب هذه القيم ولا يدعمها .. الصدق لم يعد منجي ومعايير الاحترام اختلفت بعد أن تم توظيف الأشياء والسلوكيات لخدمة الغايات المادية وقدرتها على الوصول للثروة .. نتيجة للصعوبات الاقتصادية فقد معظم الناس إنسانيتهم لأن الإنسانية أصبحت تعيق عن اكتساب الرزق ويمكن القول أنه كلما قل احترامك لنفسك الآن كلما زادت ثروتك .. رغم عظمة هذه البلد ورغم خطورة ما مر بها من أحداث كانت كفيلة بأن تنضج شعبا واعيا إلا أن العكس هو الذي حدث .. لا مستقبل في ظل هذا الوضع ويبقى التحقق في الأحلام الفردية فقط كأن تمتلك سيارة أفضل ذات يوم .. جيلي كان أكثر حظا بسبب أننا لم نكن قريببن من الانهيار إلى هذه الدرجة فكان من الممكن أن تسمع عن طه حسين أو أم كلثوم من أي فلاح لأن هذه كانت ثقافته السائدة .. مراكز القوى في عصر السادات كانت قلوبهم ضعيفة أما الآن لا يهمهم أي شيء ..الآن هم يجسدون الفرق بين أن يكونوا محل الدولة وأن يكونوا الدولة نفسها .


محمد الدريني ـ 48 سنة / موظف بإحدى المستشفيات الجامعية

لا يوجد فرق كبير بين عهد السادات وعهد مبارك .. كانت الأسعار رخيصة في عهد السادات .. المرتبات قليلة والأسعار رخيصة .. الشعب كان مخنوقا من الأمن والشاب عندما يصلي كان يؤخذ بتهمة الانضمام للجماعات الإسلامية التي كانت نشطة في ذلك الوقت .. الحرفيون أصبحوا على القمة بعد الانفتاح .. العلاقات الإنسانية زمان كان فيها ترابط والجيران في الشارع كانوا عائلة واحدة ولا توجد نوايا سيئة أما الآن فالجيران لا يعرفون بعضهم وهذا يرجع للظروف المادية واشتغال الرجل بأكثر من عمل ليدعم دخله .. الإخوان المسلمون هم من كانوا يمثلون المعارضة الحقيقية زمان والآن رؤوسهم اندثرت فأصبحوا بلا تأثير .. أنت تعمل بجد ولكنك لن تنجح لأن النجاح يصب دائما في مصلحة الكبار .. لو شاهد الرئيس مبارك فيلم ( طباخ الريس ) لتغير الوضع للأحسن .. كل فترة ولها فنانيها .. الفن زمان كان أفضل من الآن .. ما تغير في كرة القدم هو الانتماء .. أصبح من الممكن أن يلعب أي لاعب في أي نادي بسبب الفلوس .. أحسن قرار للسادات حرب أكتوبر ومعاهدة السلام .. ما رفضه العرب زمان وفعله السادات يحاول العرب فعله الآن .. التورريث هو أسوأ ما يمكن أن يحدث في مصر .. ما يربط بين العهدين التزوير في الانتخابات .. المرضى الذين يقفون في طوابير أمام المستشفيات ولا يجدون من ينقذهم يختلفون عن الذين تقوم الدنيا ولا تقعد من أجلهم بسبب برنامج تليفزيوني مثلا .. البلد مكتفة أمنيا .. أشعر بأن القادم أسوأ .. كنا كأطفال زمان في الستينات مرفهين أما الأطفال الآن فيريدون كل ما يسمعون عنه ويشاهدونه وهو ليس في مقدرة الأب بسبب الفوارق الاجتماعية .. تجد طفل مثلا يمسك موبايل أحدث موديل وبجواره طفل يمسك كرة بلاستيك فيشعر الطفل الفقير بالعدوانية والكراهية لزميله .. التعليم زمان كان تعليم بحق والآن يقتصر على الدروس الخصوصية .. الإعلام الآن لا نعرف هل هو نقمة أم نعمة ؟ .. السادات كان أكثر جرأة وأكثر قراءة للمستقبل . .. القطن المصري الأكثر جودة يتم تصديره ونعود لاستيراده مصنعا بأسعار أغلى هذا غير منع زراعة القطن في أماكن كثيرة من الجمهورية .. مراكز القوى لم يشفق السادات عليها التي كانت تفترس الناس أما الآن فرجال الأعمال هم حكام البلد الفعليين .. أفضل قرار للسادات هو الحرب التي أعادت هيبة الشعب والجندي المصري وكذلك ذهابه إلى الكنيست الإسرائيلي .. أسوأ قرار لمبارك هو انحيازه لأمريكا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي ولكن هذا أيضا يعتبر طبيعي بعد أن صارت أمريكا هي المهيمنة على العالم لأنه ليس أمامنا أي خيار حتى نواكب العصر الحالي .


محمد سالم ـ 50 سنة / صاحب مطبعة

في عصر السادات كانت الدولة إلى حد ما تتحمل مسؤلياتها تجاه الأفراد .. كان يوجد شيء لم يتبلور بعد مع بدايات الانفتاح ولم تكن الأزمة بهذه القسوة .. كان الفساد على استحياء ويتم خلف الكواليس .. كانت الطبقة الوسطى في عهد السادات متماسكة .. حرب أكتوبر أفضل قرارت السادات .. كل ما يحدث الآن هو نتيجة زيارة السادات لاسرائيل ومعاهدة السلام .. اجتياح لبنان تم بعد معاهدة السلام .. كل المشاكل العربية وانعزالنا العربي تم بعد معاهدة السلام .. بدأت الأصوات تسخر مما يسمى بالشقيقة الكبرى مما تسبب في عبودية المصريين بالخارج .. فخور بأحداث يناير 77 التي تعني دفاع المصريين عن رغيف الخبز .. في مرحلة الانفتاح كنت تجد خريج الجامعة يعمل عند صاحب ثروة لا تعرف كيف امتلكها .. الشاب الذي كان يسمع فيروز وأم كلثوم فُرضت عليه ثقافة أحمد عدوية السائدة فتعوّد عليها .. عصر السادات هو عصر ( الفهلوة ) .. أهالينا كانوا فهلوية خائبين لأنهم تمسكوا بمباديء وقيم ( الطبقة المتوسطة ) فراحوا يدفعون الثمن حتى الآن .. حينما أفكر في عصر مبارك أتذكر على الفور بيت المتنبي :
( كفى بك داءا أن ترى الموت شافيا
وحسب المنايا أن يكن أمانيا
وكم ذا بمصر من المضحكات
لكنه ضحك كالبكا )
أكثر فيلم عبر عن مرحلة مبارك ( البريء ) و( ضد الحكومة ) .. أنا تخليت عن تربية أولادي لأنني شخص مهزوم أعمل عشرين ساعة من أجل جعل أطفالي ينهضون من على الطعام نصف جوعى .. وسائل الإعلام هي التي تربي الأطفال اليوم .. مراكز القوى في عهد السادات كانت مرئية أما في عهد مبارك فهناك منظومة إعلامية تدعي أنها مع المطحونين وتقف بجانب الناس وهي في الحقيقة تؤدي دور مرسوم لها الغرض منه امتصاص غضب الناس .. دور المعارضة مضحك في العهدين ولاشك أن ثمة مصالح مشتركة بين المعارضة والحكومة والإخوان المسلمين ضد الشعب المصري .. البيت والشارع مع الوقت تغيرت العلاقة بهما بعدما تحول الإنسان لآلة مجهزة للسقوط من منحدر ففقدت علاقتها الحميمة بأماكن الماضي .. المستقبل ضباب غير محدد لا يمكن رؤيته أو التنبؤ به .. الجيل الجديد أوفر حظا إعلاميا ولكنه ليس أوفر حظا أسريا .. أتمنى أن أعيش عام 1973 ثانية .. الفرق بين جيل الخطيب وحسن شحاته والجيل الحالي هو أن الناس كانوا يحبون هؤلاء اللاعبون القدامى ولكن يطلبون من أولادهم المذاكرة والتفوق الدراسي أما الآن فكل أب يتمنى أو يعد ابنه كي يصبح لاعب كرة مثل أبو تريكه أو عمرو زكي لإنقاذه من الفقر .. طول عمرنا نتعامل مع الفلاح بعنجهية وكأننا نطالبه طوال الوقت بأن يطعمنا بينما نستمتع بحياتنا المدنية الأمر الذي جعله يستجيب لنمط ثقافي استهلاكي سائد فسافر وترك الأرض .. الفلاح وجد نفسه في مصر يتم تقييمه بما لديه من ثروة لم يستطع امتلاكها فهرول باتجاه الدول الوهابية التي منحته هذه الثروة .. كان المصريون في فترة من الفترات هم الذين يعلّمون أبناء هذه الدول قبل أن ينسحب الدور المصري في جميع المجالات ليس سياسيا فقط بل ثقافيا واجتماعيا .. العنف الديني سببه التهميش والفجوة التي اتسعت بين الفقر والغنى واحتياج مؤسسة دينية للمراجعة وهي الأزهر .


رابحة السيد ـ 58 سنة / مديرة بإحدى إدارات الوحدات المحلية

الفرق بشكل عام هو تلاشي الطبقة الوسطى من المجتمع الذي أصبح عبارة عن طبقة من الأغنياء وطبقة من معدومي الدخل .. أفضل قرارات السادات هو حرب أكتوبر 73 وأسوأها هو إنشاء الأحزاب لأنها لم تكن أحزاب حقيقية .. القيم الاجتماعية تلاشت وساد عدم الاحترام بين الأفراد وانقلبت الموازين فأصبح الأب هو الابن والابن هو الأب .. التعليم الآن هو بمثابة تأدية واجب بالنسبة للطالب لعدم وجود هدف من عملية التعليم حيث يتساوى الأمي مع المثقف والكل يلهث وراء فرصة عمل .


شوقي عثمان ـ 31 سنة / صاحب مقهى إنترنت

بخصوص التعليم فالمدارس لم تعد مدارس .. لم يكن هناك غياب والعقاب كان رادعا على التقصير والمدرسين كانوا محترمين لكن الآن فحتى التربية المنزلية لم تعد حازمة .. كان زمان يوجد تعيينات في الحكومة لكن المؤسسات الحكومية أصبحت الآن شركات تدار بالواسطة .. يوجد تقييد لأي شيء ينجح في مصر بإصدار قوانين تعطل هذا النجاح لصالح المستغلين والمحتكرين .. الأطفال الآن يعيشون في كارثة أكبر لأنهم تعرفوا على ما هو ضد طفولتهم قبل الأوان .. في بيت جدتي كنا نجتمع ونطلق عليه ( بيت العيلة ) خصوصا في الأعياد والآن لا يحدث هذا لأن الهموم أكبر من هذا التقارب .. الفن يسير للأسوأ .. زمان كنت تستطيع أن تعد المطربين على أصابعك والآن منهم الجيد ومنهم الرديء لكن زمان كان جميعهم جيدين وكانوا يعتمدون على موهبتهم وليس على تقاليع تعطيهم شهرة زائفة وفلوس .. الثورة كان الهدف منها المساواة بين الغني والفقير والآن لم يتبق منها شيء والقلة الرأسمالية هي المسؤلة عن كل شيء في البلد .. زمان كان الموظف مثل ضابط الشرطة والآن لو أنك دكتور من الممكن ( تتفيش إيد ورجل ) وتمشي بالكلابشات في الشارع وتتعامل معاملة المجرمين وأنت لم تفعل شيئا .. الأماكن الجميلة كالحدائق التي شهدت ذكرياتنا تم تدميرها .. فيلم ( السادات ) كان صادق ويتطابق مع ما نعرفه من الآخرين عنه ..فيلم ( ظاظا ) هو أكثر فيلم عبر عن الحياة في عصر مبارك لأنه جسّد حلم المصريين في شخصية ظاظا بالحرية والعدل .. في عصر السادات كان المحتكرون يُعتقلون أما الآن فيتم دعمهم .. رغم كافة الانتقادات عن السادات كنت أسمع أنه لم يكن هناك أحد لا يكفيه مرتبه وأسعار الشقق رغم الأزمة السكانية كانت في متناول الجميع .. الآن الشاب يقبض 200 جنيه ويدفع 400 جنيه إيحار لشقة غرفتين وصالة ويعتمد على المساعدات من أهله .. لم أكن أتوقع أن يصل دخل لاعب الكرة إلى هذه الدرجة بينما الموظف الذي يعمل منذ 30 عاما مرتبه في السنة لا يتعدى 5% من مرتب لاعب كرة في عام .. ما تعلمناه ونحن صغار لا علاقة له بما جربناه عندما كبرنا فأنا حاصل على معهد فني تجاري شعبة محاسبة وأشتغل في مجال الكومبيوتر والإنترنت لأنه لم يعد هناك شيء اسمه التخصص .. نحن نشتغل في أعمال لا علاقة لها بما درسناه وهذه سمة معظم الشباب .. القيم الأخلاقية التي تعلمناها في صغرنا اصطدمت بالمعايير والقواعد اللاأخلاقية في مصر خاصة في سوق العمل بعد أن كبرنا وخضنا غماره فلم يعد النجاح نتيجة للجهد بل نتيجة للمحسوبية والتحايل وماشابه فمن الممكن أن تكون مجتهدا في عملك ولكن يتم إفشاله عمدا لمجرد أنك لا تمتلك سلطة تحمي هذا العمل .. الأجيال السابقة تمتعت بحظ أوفر في المعيشة رغم معاناتهم التي هي أقل بكثير جدا من معاناتنا كشباب .


جمعه برهام ـ 59 سنة / محامي

كان السادات أحسن عقلية حربية سياسية في ذلك العصر لما له من تطلعات بالنسبة للسلام ونجاحه في جعل مصر تحصل على كافة أراضيها من إسرائيل ثم دوره في القضية الفلسطينية ثم كامب ديفيد .. أما مبارك فهو يمتاز بالموضوعية فيما يتعلق بعدم الدخول في أي حروب لأن البلد أنهكتها حروب سابقة .. الفلسطينيون هم أساس المشكلة بصراعاتهم الداخلية ومصر لم تقف ضد أي مصلحة .. مصر الدولة الوحيدة التي خاضت هذه الحروب .. أنا محب لعهد عبد الناصر ولكن كل عصر له مميزاته وله عيوبه .. عبد الناصر من أحسن الزعماء .. أحسن العصور كان عصر الانفتاح .. الصناعة الوطنية كانت سيئة والدليل أنه حينما فتح السادات مجالات الاستثمار لكافة المواطنين والموظفين لم يستغلوا هذا الوضع للثراء وتذكر مقولته الشهيرة ( إللي مش ها يلحق يغتنى في عهدي مش ها يغتني أبدا ) .. السادات كان شجاع في قرار زيارته لاسرائيل .. قرار تجميد عضوية مصر في جامعة الدول العربية لم يكن ذو أهمية .. عصر مبارك استكمال لعصر السادات .. مبارك أغلق الاستيراد لبعض المنتجات من أجل تشجيع المنتج المصري مما أدى للازدهار في كثير من القرى والمدن .. الاضرابات والاعتصامات تدل على ديمقراطية عصر مبارك .. الانفتاح على العالم الخارجي من خلال الفضائيات والانترنت في عصر مبارك ساهم في زيادة التحضر لدى أكثر الناس .. التعليم منذ بداية عمري في عهد عبد الناصر كان بالمجان أما في عهد السادات فتدهور أما في عهد مبارك فتدهور التعليم جدا لأن المدرس لم يعد يقوم بواجبه تجاه تلاميذه .. الآن أصبحت المدارس خالية من الطلاب وشغلهم الشاغل هو الدروس الخصوصية .. كان يوجد ارتباط بين العائلة وبين الجيران وكل واحد كان يخاف على أولاد الآخر .. التطور العلمي زاد من آفاق ومدارك الأطفال وذكائهم .. القضاة هم أعلى الطبقات ثم الشرطة ثم الأطباء ثم المهن الأخرى ورجال الأعمال .. أي عضو مجلس الشعب يعتبر نفسه كأنه سافر الخليج حينما يتحدث عن استفادته من مزايا المجلس .. في عصر السادات كان الوفد هو أبرز الأحزاب المعارضة وحاليا حركة كفاية ولكنها ليست بقوة الوفد زمان .. في الماضي كانت الشقق للإيجار أما القوانين الجديدة والإيجار المؤقت جعلت الشقق سلعة يتاجر بها ملاك العقارات وأصبح تجهيز الشاب للشقة من المعوقات الجسيمة .. الشرطة كانت فعلا في خدمة الشعب لكنها الآن ضد الشعب والاعتقال بدون سبب جعل الشعب المصري في حالة خوف من دخول قسم الشرطة .


د/ منى رفيق ـ 53 سنة / طبيبة بشرية

السادات بالنسبة لي كان شخصية كاريكاتورية بامتياز .. لازال قادرا على إضحاكي حتى هذه اللحظة حينما أشاهده يتكلم ويخطب ويتحرك .. ربما كان شبيها بـ ( هتلر ) فيما يتعلق بالقدرات التمثيلية العبقرية التي من الوارد جدا أن تكون لدى أي شخص مهووس بذاته والتي تلهث ورائها الكاميرا الساعية لأن ترصد مهرجا فذا .. كان هزليا بحق وأتصور أنه كان عاشقا حقيقيا للسينما وكان يتمنى لو عمل بها وأتصور أيضا أنه استغل منصبه كرئيس للجمهورية ليتقمص أي بطولة ممكنة معتمدا على أداءاته الحركية البارعة وإمكانياته الصوتية التي كانت تبدو طوال الوقت وكأن صاحبها يقول للجميع : ( تأملوني جيدا .. أنا نجم ) .. مبارك مختلف بالتأكيد عدا اللهجة التقليدية الحكيمة والنبرات الصوتية اليقينية الواثقة والحاسمة التي ظلت ثابتة في خطاباته منذ بداية عهده وحتى الآن .. اللهجة التي تصف وهما مملا وسخيفا عن أن جميع الأشياء جميلة ومستقرة وجميع المشاكل محلولة أو في سبيلها للحل وأن جميع الأوضاع هادئة وآمنة وأن الكل في هذا الوطن سعداء .. اللهجة التي يبدو أنها في حقيقتها آلية ومبرمجة على الاستمرار مهما حدث وليس من خصائصها أن تساءل نفسها عن معناها وجدواها وعن النفع الذي من الممكن أن تقدمه لصاحبها على الأقل .. زيارة القدس وعقد اتفاقية مع الكيان الصهيوني والانفتاح هي أكبر كوارث عهد السادات أما عهد مبارك فهل هناك أسوأ من ( تمليك ) مصر لتجّار السلاح والمخدرات والدعارة الذين يشرّعون القوانين وينهبون الثروات ويقتلون الفقراء ويعتبرون أن تصنيف الرأي العام لهم على أنهم مجرد لصوص الاستثمار والاحتكار يعد غطاء جميلا لحقيقتهم .. الفيلم الذي عبر عن مرحلة السادات ( سواق الأتوبيس ) و( الحب فوق هضبة الهرم ) و( الغول ) أما مبارك فيلم ( ليلة ساخنة ) و( عمارة يعقوبيان ) .. في نهاية عهد السادات وبداية عصر مبارك كانت الأنفاس الأخيرة لاحترام طبقة الموظفين .. الآن الفئة التي يتم تقديرها هي ( رجال الأعمال .. الشرطة .. شيوخ الفضائيات ) .. هذا هو التحالف البشع الذي مهمته أن يحمي مصالح المستفيدين من وطن ممزق ومحطم بهذا الشكل .. في السبعينات والثمانينيات لم تكن الحياة جميلة في مصر بالطبع ولكن أستطيع أن أقول أنها كانت أكثر هدوءا رغم كافة الأحداث الكبيرة كحرب أكتوبر وأحداث يناير 77 وزيارة القدس ومعاهدة السلام واغتيال السادات واجتياح لبنان إلا أنك كنت تشعر أن هناك شيء يتم بناءه كأنما كان هناك نوع من الاطمئنان على واقع لا يزال في بداياته أو تغيرا جديدا ينمو في أكثر من اتجاه ويحمل وعودا كثيرة حتى على مستوى الفن والأدب والدراما والأفلام وكرة القدم والإعلام والثقافة العامة للشعب لكن ما لم يكن متصورا أن هذا التغير كان في حقيقته نهاية حضارية مروعة كانت من التسارع بحيث عجز معه المصريون عن فهمه أو على الأقل التخلص من صدمته حتى الآن لأنه ببساطة لا يسمح بهذا بفضل شراسة نتائجه المتزايدة القسوة يوما بعد آخر .

* * *

إذا كان لابد من كلمات ختامية لموضوع كهذا لا يمكن في حقيقة الأمر أن يختتم فلا أظن أن هناك ما هو أنسب من سؤال كهذا : هل يمكن أن يأتي التاريخ بلحظة يعد فيها أحد الأشخاص قصة صحفية عن الفروق التي يرصدها عاديون بين عهدين سياسيين ولا تستخدم فيها مفردات متطابقة أو على الأقل متقاربة لما يتم دائما استخدامها لنفس الغرض ؟!

جريدة ( الأنوار ) المصرية

29 / 4 / 2009

Saturday, May 02, 2009

مريض مطيع يتسلى بـالكيتش



أنا لست شريرا يا صديقتي .. بصراحة أكثر وبشكل واضح ومحدد أنا بلا ذنوب أساسا .. سأكون صادقا معك للغاية وأخبرك أن حصيلة المعطيات التي توفرت لدي عنك حفزّت تلقائيا أمنياتي وأحلامي بحكايات جميلة محتملة تجمعنا .. لا تقولي أنك لا تعرفين أن المطلّقة تجنب بديهيا قضيب الرجل مشكلة العذرية ـ لأنها كانت زوجة ـ وفي نفس الوقت تهدي قضيب نفس الرجل المأساة التي يحتاج وجودها في هذه المرأة ـ لأنها أصبحت مطلّقة ـ كي يعبر منها للداخل .. خذي عندك بقية المميزات : نسكن في مدينة واحدة ولدينا هامش مشترك من الاهتمامات وكلا منا يمتلك إيميل على نفس الماسنجر .. لكن من زاوية أخرى كانت هناك أيضا مشكلات تواجهني وكان عليّ أن أحاول حلها : هدم أسوار ـ أو على الأقل تسلقها وتخطيها ـ عالم التدين والتصوف والروحانيات الذي تختبئين بداخله .. عدم وسامتي أو فلنقل دمامتي وكذلك خجلي وارتباكي إذا ما تقابلنا وجها لوجه وفشلي الوارد جدا في أن أعطيك انطباعا عني بأنني خفيف الدم ومثير ومتزن ورقيق وخبيث وغامض وحزين ومجرّب وحاد وطفولي كل هذا في نفس الوقت الأمر الذي ربما يجعلك تتركينني ولديك انطباع واحد بأنني أبله .

لم يكن مهما بالنسبة لي أن زوجك طلّقك بسبب عدم قدرتك على الإنجاب أو لأي سبب آخر .. ما كان يهمني أن روحك كانت حزينة وجسدك ربما كان يحتاج لرجل .. كنت أريد أن أنام معكِ أو على الأقل نمارس الجنس عبر ( الكام ) أما المواساة والتعاطف الإنساني والمشاركة الوجدانية في الهموم الناجمة عن ظلم الحياة فكلها موضوعات وأدوار متاحة للجميع وفي أي وقت ويمكن أن يؤديها ويتحدث فيها أي أحد كما يريد ويكون بطلها بالطريقة التي تناسبه .. لو كان هذا فقط هو كل ما بيننا : تفحص كلا منا لتعاسته الشخصية ولتعاسة الآخر .. تكوين تاريخ مشترك من العلاقات الحميمة التي تربط بين تفاصيل معينة في ذاكرتي وذاكرتك .. ترك أنفسنا لما سيقرره القدر نتيجة وجودنا معا بهذا الشكل واقترابنا من بعضنا هكذا .. لو اقتصر الأمر على هذا فحسب كان سيكون رائعا حقا بكافة أفكاره ومشاعره الجميلة والسيئة التي سنتورط فيها معا .. لكن ماذا لو أضيف الجنس أيضا يا صديقتي ؟ .. ألن يكون الأمر أكثر روعة وبهاء وتوهجا ؟ .. ألا تمنح الحسية الجسدية الدماء النشطة داخل العقل والقلب خلودها ونبلها وثمالتها ؟ .. ألا تعطي الروح البصيرة الشرسة والبريئة القادرة على التوحد بنشوة مع الألم والاستسلام بدهاء للأسرار العميقة للوجود والموت ؟ .. تخيلي معي ـ وحاولي على قدر ما تستطيعين التغلب على أي عوائق تريد منعك من الاستسلام لهذا التخيل ـ تخيلي لو أنك أردت أن تحكي لي مثلا عن زملاءك الحمقى داخل المستشفى القذر وعن المرضى النفسيين الذين تحاولين علاجهم وعن الله الذي لا تعرفين لماذا اختارك لهذه المهنة البائسة وعن روشتات أطباء النساء والتوليد في حقيبتك وعن رغبتك في الأمومة التي تشهرينها في وجه الصيدلي وعن سخطك المكتوم وأنت تتحدثين عن كتابك في برنامج ( صباحك سكر زيادة ) على otv .. تخيلي لو أنني أردت أن أحكي لك عن نومي المضطرب وعن الحجر الثقيل الضخم ذو الحواف الحادة جدا المغروس في رأسي وعن اليد القوية الهائلة التي أشعر بها تقبض على أمعائي وتعتصرها طوال الوقت وعن زوجتي التي أخاف أن تموت قبل أن أعتذر لها بالطريقة التي ترضيها عن مساهمتي القيمة رغما عني في خيانة الدنيا لروحها الضعيفة والطيبة وعن الهواجس المفزعة المصاحبة لضيق التنفس ودقات القلب الزائدة وعن الأيام الرتيبة المتشابهة المجبرة على التعاقب والانتظار وعن روايتي الجديدة التي أحاول فيها كالعادة إضاءة مناطق مظلمة في طفولتي وتثبيت المناطق المضاءة بالفعل أملا في حدوث معجزة ـ ويأسا من حدوثها في نفس الوقت ـ تعيدني فعليا إلي السنوات العشر الأولى من حياتي وتضع نهاية لاسترجاعي المحموم للماضي الذي يقتلني ببطء .. تخيلي معي لو أننا أردنا أن نتبادل هذه الحكايات .. أخبريني بصدق أي الحالتين أجمل : أن نحكيها من خلال ( الشات ) أو التليفون أو في مكان عام مثلا ؟ .. أم نحكيها ونحن عاريان في السرير بينما تكونين نائمة في حضني ورأسك على صدري وأنفاسي في شعرك ويدي تتحسس ثديك مع إضاءة خافتة وموسيقى ناعمة لو أردتِ ؟

هل ستعتبرين ما أكتبه الآن نوع من الانتقام الرخيص نتيجة فشلي في الحصول على ما أردته منك ؟ .. هل ستعتبرينه إثباتا لصحة إحساسك الروحي الذي قلتِ لي في آخر حوار بيننا على ( الماسنجر ) أنه يخبرك بأن تبتعدي عني ؟ .. هل صدق الآن شعورك تجاهي بالارتياب والقلق والتوتر خاصة وأنني ربما تعمدت هنا أن أترك إشارات يمكن لكلاب الإنترنت البوليسية على المدونات والفيس بوك تتبعها للوصول إليك ؟ .. صدقيني أنا لا أنتقم منك يا صديقتي ـ خصيتي لا تتحمل استخدام عزيزتي أو حبيبتي ولو حتى على سبيل الدعابة ـ فأنا لم أصل لما أريده مع أي امرأة أخرى وهذا ما يجعلك عادية ولا تستحقين مني ضغينة خاصة كما أن ما كتبته الآن هو عن نفسي فقط ولا يورطك في أي اتهام بل بالعكس يثبت عدم علاقتك بالموضوع من الأساس .. أما عن كلاب الإنترنت البوليسية فلا توجد مشكلة بسببهم ويكفي أن أخبرهم الآن أنني أردت أن أضحك عليهم وأنهم سيضيعون وقتهم لو سعوا لاقتفاء أثرك لأنني ببساطة كنت طوال الوقت أتحدث عن صديقة متخيلة لا وجود لها إلا بداخلي فقط .. أنا لست شريرا يا صديقتي المتخيلة لكوني أفكر وأكتب هكذا .. أنا فقط أفعل ما تفعله عادة كل القطط المختبئة تحت السيارات بينما تنتظر فرصة آمنة للأكل من القمامة .

Sylvia Plath

Sunday, April 19, 2009

الأضرار الجانبية للحظة التنوير


أعاد عليّ كثيرا أن نفس الحلم أصبح يتكرر كل ليلة : يرى نفسه وهو أكبر من عمره الحالي بما يقرب من عشرين عاما فيقرر الذهاب إلى مدرسته الابتدائية التي لم يزرها أبدا منذ أن أنهى دراسته بها وبعد أن استنفذ خلال سنوات حياته الكثيرة الماضية كل الطرق والمحاولات الممكنة لأن يعيش طفولته من جديد .. يرى نفسه وهو يدخل من بوابة المدرسة ويتجول في فناءها ثم يصعد السلالم ويسير في الممرات ويدخل الفصول والحجرات وهو يحاول بداخله أن يتحول إلى الطفل الصغير الذي كان موجودا هنا دون جدوى .. بدأ يشعر بتزايد الألم بداخله مع تزايد عجزه عن الرجوع بالزمن إلى الوراء .. كان يتذكر فحسب .. يستعيد مشاهد وأحداث وأشخاص وانفعالات كثيرة ولكنه لا يعيشها وكانت هذه الاستعادة هي ما يزيد من آلامه .. كانت تثبت بقسوة حقيقة انفصاله الأكيد عن الماضي الذي أيقن تماما استحالة أن يجربّه كما حدث للمرة الأولى .. يرى نفسه وهو يغادر المدرسة منهارا ومحطما ومتحسرا بحرقة على فشل آخر المحاولات المدخرة التي طالما اعتبرها الأهم والأكبر في تاريخ محاولاته لاستعادة الطفولة والتي كان يؤجلها للحظة وصوله إلى هذا العمر الكبير وهذا الاقتراب المرعب من الموت .. يصعد إلى شقته ثم يدخل إلى الحجرة ثم إلى البلكونة وينظر إلى الشارع الذي كان مزدحما بالناس ثم يخلع قميصه ويغرز أظافر يديه في صدره العاري فيكشف جلده الممزق عن ما يشبه صندوق أو خزانة صغيرة فارغة إلا من زجاجة ( مولوتوف ) .. يمد يده داخل صدره ويخرج الزجاجة ثم ينظر إلى الشارع فيجده خاليا تماما من الناس .. ثم يستيقظ .

سألته عن المتغيرات الضخمة أو الانقلابات الجوهرية في حياته التي سبقت تكرار هذا الحلم والتي ربما ساهمت في خلقه فأخبرني أنه لم يحدث أي شيء عدا أنه كان يستيقظ من النوم في الفترة التي سبقت هذا الحلم وهو يشعر بالخجل ...

سألته : من نفسك ؟ ...

قال : نعم ...

ـ ومن الآخرين ؟ ...

ـ نعم ...

ـ حتى أقرب الناس إليك والذين يعيشون معك في نفس البيت ؟ ...

ـ نعم ...

ثم صمت قليلا وقال لي : هم أيضا يجب أن يشعروا بالخجل من أنفسهم ومني ...

سألته : لماذا ؟ ...

قال : ليس لسبب محدد ومن الجائز لكل الأسباب التي من الوارد أن تخطر في ذهنك أو تحس بها في أي وقت المهم أننا يجب أن نشعر جميعا بالخجل وأن نتصرف بناء على هذا الشعور بأسرع ما يمكن ...

ـ كيف ؟ ...

ـ أن يكون كل واحد منا بديلا حقيقيا للإله وتجسيدا أمينا له فيشعر ويتصرف بالضبط كما يجب علي الإله أن يشعر ويتصرف !!

أخبرني أن أمرا طرأ عليه منذ فتره أصبح يخيفه جدا وهو أن دموعه أصبحت قريبة للغاية .. قال أن هذا بدأ منذ سنوات حينما كان يستمع لأغنية ( الشوارع حواديت ) وبينما كان ( صلاح جاهين ) يقول :

( الشارع دا كنا ساكنين فيه زمان

كل يوم يضيق زيادة عن ما كان

أصبح الآن بعد ما كبرنا عليه

زي بطن الأم مالناش فيه مكان )

بدأ يشعر بالاختناق الذي راح ينمو سريعا حتى تحول إلى دموع وتشنجات حادة في كل جسمه .. نفس الحالة تكررت بعد ذلك بالضبط حينما كان يتصفح ذات مرة مدونته الإلكترونية ووقعت عيناه على سطور لـ ( فرناندو بيسوا ) كان قد وضعها منذ زمن على ( البانر ) الجانبي للمدونة وبالطبع قرأها قبل ذلك كثيرا جدا ورغم هذا شعر فجأة بنفس الاختناق الذي راح ينمو بنفس السرعة ويتحول إلى نفس الدموع والتشنجات الحادة وهو يقرأ :

( أنا اليوم مهزوم

كما لو أنني أعرف الحقيقة

أنا اليوم صافي الذهن

كما لو أنني على أهبة الموت

لا تجمعني بالأشياء أخوة غير أخوة الوداع )

قال أن هذا ما حدث له أيضا حينما كان يستمع إلى ( Cat Stevens ) وهو يغني

( I know I have to go ) في نهاية أغنيته ( Father And Son ) وحينما كان يشاهد حكاية الكريسماس في فيلم ( Smoke ) لـ ( بول أوستر ) ، وكذلك وهو يعيد قراءة نهاية قصة ( عند الولادة ) لـ ( وليم تريفور ) .

أخبرني أنه أثناء البكاء لا يكون خائفا .. بالعكس .. يكون في قمة الفرح بينما الذهول والمرارة يقطّعان روحه بمنتهى القسوة والبرود .. الخوف يتملكه بعد ذلك .. بعد أن تتوقف الدموع ويخفت الذهول والمرارة .. الخوف العميق الهائل الذي يفسر هذا البكاء على أنه نوع من الاحتضار يقلص تدريجيا وبقوة المسافة التي تفصله عن الموت .

قال أنه يفكر جديا في اتخاذ قرار بعدم طبع كتب ورقية بعد ذلك ونشر أعماله في كتب إلكترونية بعيدا عن وساخات الناشرين ، وأن الزواج أصبح يعني له بعد ست سنوات : ( أن تنام مع المرأة الوحيدة في العالم التي لا تريد النوم معها ) ، وأن الأصدقاء بعد أن تتجاوز الثلاثين هم العقاب الذي تحتاجه العزلة كي تدعم حكمتها وتجدد الطاقة اللازمة لبقاءها أطول وقت ممكن .

أخبرني أن أكثر ما يشغله ويؤرقه هو خطة القدر في ترتيب الموتى القادمين .. إما أنه سيموت أولا أو أن زوجته أو أحد أخويه أو أحد أصدقائه المقربين سيسبقه إلى الموت .. هو يدرك تماما أنه ليس مستعدا ولا مهيأ لأي من الحالتين .. سألني لماذا لا يعود الموتى السابقون أولا ؟! .. لماذا لا يموت القدر نفسه ونبدأ من جديد بدونه ؟! .. صمت للحظات ثم قال أنه يشعر أحيانا بأن الموت لن يكون بهذه الدرجة من البشاعة : ( أنظر من مات قبلي : أمي .. جدتي .. تشيكوف .. اسماعيل ياسين .. فرانك سيناترا .. يانيس ريتسوس .. سعاد حسني .. رينيه ماجريت .. عاطف الطيب .. بيلي هوليداي ... هل تتصور أن يكون الموت مؤلما لهؤلاء ؟! .. هل يمكن للموت مهما كانت بلادته ومهما كان عماه وتحجر مشاعره أن يطاوع نفسه على إيذاء كائنات كهذه ؟! .. صدقني موت هؤلاء يجب أن يشعرك ولو قليلا بالاطمئنان لأن العالم الذي ذهبوا إليه سيكون لائقا بهم بالتأكيد وبالتالي فهناك أمل أن يكون لائقا بكل واحد منا وفقا لما يناسبه من السعادة ) .

قال أن أكثر أشكال العلاقات الجنسية متعة وجمالا بالنسبة له تكون مع امرأة يتوفر فيها ثلاث مزايا : أن تكون معروفة بين الناس بأنها في قمة الأدب وغاية الاحترام .. أن ترتبط معك بصلات مشتركة مع مجموعة من الأشخاص المحترمين تتقابلان في حضورهم وتتبادلان الأحاديث العادية وسطهم وأنتما تخبئان بلذة مرتبكة سركما الوحشي .. أن تريدك دائما في كل مرة تكونان فيها وحدكما ألا تدع ثقبا في جسمها إلا وتشرفه بالدخول .. قال أيضا أن أسوأ العلاقات الجنسية تكون مع امرأة تمتلك الثلاث مزايا السابقة ولكن يأتي يوم تسيطر عليك الهواجس والشكوك تجاهها أو ربما تكتشف فعلا أن ما تفعله معك تفعله أيضا مع أحد المحترمين الذين كنت تظن أنها تشاركك استغفالهم فتتحول تلقائيا أنت الآخر إلى محترم كبير .

أخبرني أنه كتب روايته الأولى بنفس الطريقة التي كان سيؤلف بها موسيقى ( الجاز ) وفقا لاقتناعه بما كتبه ( هيدن كاروث ) عنها :

التحرر والانضباط يلتقيان

في النشوة فقط

قال أن أول ما يحضر في ذهنه كلما رأى أي من شيوخ الفضائيات أن هذا الشيخ يمتلك بالتأكيد قدمين غليظتين وسمينتين وتنبعث منهما رائحة كريهة وهي بالضبط نفس مواصفات قدمي أبيه ونفس رائحتهما التي كان يشمها حينما كان يجبره على الصلاة بجواره وهو صغير وكان يجعله ـ لأن الأب لابد أن يكون الإمام ـ يؤخر سجادته قليلا إلى الوراء في الوقت الذي لم يكن بالتليفزيون أكثر من قناتين أرضيتين فقط .

أخبرني أنه يعلق على جدران حجرة المكتب لوحات ( جين روستن ) التي تعيش بداخلها مسوخ بشرية غاية في التشوه والمرض وتحدق في العالم بمنتهى الرعب والألم ، وأنه يحب أن ينظر إليها كثيرا لأنها تشعره بالبهجة والأمان .

قال أن ( شارلي شابلن ) هو أبرع من جسّد شخصية ( هاملت ) باعتباره كشف عن الوجه الكوميدي والأكثر سوادا بالضرورة من بين كافة الأوجه المحتملة لـ :

( ما كنت أستطيع حمل أثقال الحياة المضنية

وأن أكابد الأنين أو تفصد العرق

لو لم أكن أخاف ما يكون بعد الموت في مجاهل القطر الذي لا يرجع المسافرون من تخومه

فإنه خوف محير يجمد الإرادة

فنؤثر احتمال شر نألفه

على الفرار للذي لا نعرفه )

أخبرني أن أول جملة يقولها بداخله بعد أن يستيقظ هي : ( يوم جديد يبعدك أكثر عن الثمانينيات ) ، وأنه يكره الندوات وحفلات التوقيع لأنه يكره الزحام والتجمعات البشرية التي تصيبه بالارتباك والتوتر نتيجة إحساسه بعدم الامتلاك والسيطرة على المكان والحدث والأشخاص الكثيرين وأحاديثهم الكثيرة المتداخلة التي يشعر بالضياع والتلاشي داخل تعقيداتها الصاخبة .. يكره أيضا تحديق العيون الكثيرة في وجهه كما أنه لا يؤمن بضرورة التواصل المباشر بين الكاتب والقاريء وأن الدعاية فحسب هي ما تضطره للندوة أو لحفل التوقيع بالضبط مثلما تضطره الدعاية إلى الكتابة في مدونته عن السياسة والدين والهم الاجتماعي العام كمناهض عادي للسلطة أو كعلماني عادي أو كناشط عادي في مجال حقوق الإنسان دون أن يدخل أي إله في أي موضوع التزاما منه بالمقومات التقليدية للانتشار التدويني الذي قد يؤدي إلى انتشار قصصه وقصائده عند جمهور الإنترنت العادي المنشغل أساسا بأزماته مع الأنظمة الحاكمة وبتأثيرات السياسة العالمية وقضايا الحريات .

قال أن ( ساحر الصحراء ) ضارة جدا بالخصية وأن ( باولو كويلهو ) في هذه الرواية كان مثل ( فاخر فاخر ) في فيلم ( اللص والكلاب ) .

أخبرني أن الناس في الحلم أسرعوا بالاختفاء من الشارع حينما رأوا زجاجة ( المولوتوف ) في يده لأنهم تصورا أنه كان ينوي إشعالها وإلقاءها عليهم في حين أن رغبته داخل الحلم كانت أن يجعل هؤلاء الناس يشاهدون الزجاجة التي بداخله بوضوح فحسب .

قال لي : أنت بالطبع لست مثل الناس في الحلم .. أنت لن تهرب وتختبيء مني مثلما فعلوا .. أنا أحضرت الزجاجة ووضعت بداخلها البنزين وأدخلت الشريط القماشي فيها ثم جئت بها إليك لتتمكن من رؤيتها جيدا .

فجأة لم يعد يراني أمامه وهنا أدرك كالمعتاد أنني أيضا مثل الناس في حلمه المتكرر وأنني لن أختلف عنهم لمجرد أنني وهو شخص واحد وأنه طوال الوقت بينما يكلمني كان يتحدث إلى نفسه الأمر الذي جعله مطمئنا لبقائي معه في هذه اللحظة .. كان واثقا بالطبع من تأكدي أنه لن يتسبب في أي أذى لي وبالتالي لنفسه ومع ذلك فأنا لا أثق به ولا أضمن النتائج اللامتعمدة التي يمكن أن يسفر عنها كشفه زجاجة ( المولوتوف ) لي بهذا الوضوح والتي أسوأها أن تجد اليد الأخرى البعيدة التي لا تنتمي إلينا في هذا الفعل ظرفا مناسبا لإشعال الشريط القماشي .. لكن على أي حال سيظل الفارق البسيط للغاية بيني وبين الناس في حلمه المتكرر هو أنني حينما أهرب لن أنفصل عنه بل سأختبيء في مكان سري بداخله .

Monday, April 06, 2009

صدور ( بعد كل إغماءة ناقصة ) عن دار المحروسة



عن دار ( المحروسة ) للنشر والخدمات الصحفية والمعلومات وضمن إصدارات جماعة ( إضافة ) الثقافية صدر كتابي ( بعد كل إغماءة ناقصة ) / نصوص .. يقع الكتاب في 127 صفحة ويضم 124 نصا .

...

من نصوص الكتاب :


نار هادئة


البنت الجميلة

تقف كل يوم

في السابعة مساء

بالشرفة المقابلة

أنا أعلم جيدا أنها لا تحبني

لكنها تقف لتستمع إلى أغنيات ( فرانك سيناترا ) و ( دين مارتن )

التي أشغّلها يوميا في هذا الوقت

والتي ربما تذكّرها بحبيبها الذي لا أعرفه

أنا أيضا لا أحبها

رغم أنها جميلة حقا

لكنني لا أريد شيئا منها

أكثر من أن تظل تقف هكذا

كل يوم

في نفس الميعاد

وتسند رأسها على يدها

المرتكزة على حافة الشرفة

كما تفعل دائما

وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة

بينما الهواء يملّس على شعرها الطويل برقة

وعيناها غائبتان في شرود عميق

لا أريد أكثر من أن أستمر في النظر إليها

عبر الفراغات الصغيرة لنافذتي المغلقة

أنا الذي أصبحت أشغّل هذه الأغنيات خصيصا من أجلها

أحتاج هذا بشدة

بالضبط

مثلما تحتاجه المرأة التي تنظر إلى نفس البنت

عبر الفراغات الصغيرة

لنافذة أخرى مغلقة

داخل بيتي .


* * *

ممدوح رزق

كاتب مصري

صدر له :

ـ السيء في الأمر / نصوص ـ دار أكتب للنشر والتوزيع 2008

ـ رعشة أصابعه .. روح دعابة لم تكن كافية لتصديق مزحة / نصوص ـ معابر 2004

ـ جسد باتجاه نافذة مغلقة / قصص قصيرة ـ أدب الجماهير 2001

ـ احتقان / قصص قصيرة ـ سلسلة إبداعات ( الهيئة العامة لقصور الثقافة ) 2001

ـ انفلات مصاحب لأشياء بعيدة / قصص قصيرة ـ مطبوعات إقليم شرق الدلتا ( الهيئة العامة لقصور الثقافة ) 1998

تحت الطبع :

ـ سوبر ماريو / رواية

ـ صندوق الذكريات / قصص قصيرة للأطفال

ـ أريد أن أخبرك بشيء / ترجمة لقصائد من الشعر الأمريكي الحديث

Friday, April 03, 2009

التجنيد الوهابي للبشر بين الاستغلال والقتل


مقدمة

الإنسان العادي البعيد كل البعد عن امتلاك أي قرار سيادي داخل ما يسمى
بالمجتمع العربي والإسلامي والذي نتج وجوده الراهن عن جرائم الديكتاتوريات المتوارثة وتعاقب الأنظمة القمعية والتراكم المتزايد لكافة أشكال الاستبداد والفساد السياسي والاجتماعي والثقافي .. الإنسان الذي يعيش الآن بين أنقاض هائلة من الأفكار والأحلام والمقولات الكبرى عن النهضة والتنوير والرخاء .. هذا الإنسان العادي يمكنه أن يصف ويتحدث بأي طريقة تناسبه عن رؤيته ومشاعره تجاه الفوضى الشرسة المتزايدة التي تحاصره من أشلاء وحطام المشاريع الوطنية والقومية التي تم انتاجها عبر تاريخ طويل لم يكن في حقيقته أكثر من مؤامرة كبرى متعددة المراحل والأدوات .. لكن .. ما هي قوة الاحتمالات الواردة في أن يصف ويتحدث هذا الإنسان عن دور السلطة الدينية في هذه الجرائم التي ترتكب ضده ؟ .. هل هناك فرص ممكنة حقا لأن يدرك طبيعة المشاركة الوهابية في قتله ؟ .. كيف يمكن للإنسان العادي أن يستوعب كيفية تحويله بواسطة شيوخ الوهابية إلى جندي خادم لهم ولمؤسساتهم وأمرائهم وملوكهم بينما يكون مؤمنا بمنتهى اليقين أن هؤلاء الشيوخ قد منحوه ما يعوضه عن عدم امتلاكه لأي قرار سيادي داخل الزنزانة التي يموت فيها تدريجيا ؟ .

* * *

مفهوم الإنسان عند شيوخ الوهابية

يتعامل شيوخ الوهابية مع الإنسان ـ الإنسان الذي نتناوله هو الإنسان العادي الذي لا يمتلك سلطة حاكمة أو قرار سيادي والذي تحدثنا عنه في مقدمة البحث ـ يتعامل شيوخ الوهابية مع الإنسان على أنه مجرد ( حزمة ذنوب ) .. فالإنسان لابد أن يبقى مخطيء ومدان دائما فهو الذي يسرق ويقتل ويزني وهو الذي لا يصلي ولا يغض البصر ولا يعف اللسان ولا يرتدي الحجاب ولا يقيم الليل .. إلخ ..
( يتسللون إلى أدمغة وقلوب الناس وغرف نومهم لتتأكد من حسن إيمانهم بالوهابية، ومن أنهم يمارسون الحب والحياة على الطريقة الهمجية الوهابية الفاجرة. فالقبلة ممنوعة، والابتسامة عار، والعناق جريمة، والصداقة شذوذ، والضحكة منكر، والاختلاط انحلال، والسفور فجور، والحب والمودة بين الناس تغريب وفرنجة وتشبه بالكفار، والرقص والموسيقى والشعر والتمثيل والسينما والغناء وكل الفنون السامية والراقية هي محظورة وحرام. وهناك الكثير من نمط هذه المفاهيم والمصطلحات الهمجية التي يروجها شيوخ الوهابية الهمج، وتطبق في مهلكة آل سعود )" 1 "
يعتمد شيوخ الوهابية على الإلحاح المتواصل والمستمر في ترسيخ هذا المفهوم داخل الإنسان عن نفسه لتصبح يقينا محسوما يعيش به وبالتالي يكون حاضرا في أفكار ومشاعره وفي علاقاته بالآخرين وفي تصوراته وفهمه واستيعابه للحياة ككل .. لابد أن يظل الإنسان متهما حتى يتعطل بداخله الوعي بحقوقه وبكرامته الشخصية وبالتالي قدرته على مواجهة ما يتعرض له من انتهاكات مستمرة .
( ومن هنا يأتي عدم اعتراف الوهابية حتى اليوم بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كونه يتعارض مع قيمها وتقاليدها، حسب ما تقول تعاليمها، ويردد أمراؤها الهمج المتوحشون الأجلاف الكبار، وتضرب بعرض الحائط بكل القيم الإنسانية السامية وتدوس عليها وتعتبرها كفراً وهرطقة وبدعاً ابتدعها المشركون الكفار. ورفض التوقيع أيضاً على رزمة القوانين الأخرى المصاحبة كحقوق المرأة والأقليات والطفولة التي تنتهك يومياً وبهمجية لا مثيل لها في المملكة الوهابية التي صارت الوكر العالمي الأول لإنتاج الإرهاب وتصديره وللاتجار بالنساء والأطفال وبيع ونخاسة اللحوم البيضاء. وتمارس حتى اللحظة، ضد النساء والأطفال والأقليات أبشع الممارسات وأشدها فظاعة في التاريخ. والهمج المتوحشون هم أولئك الذين لا يقيمون وزناً، ولا اعتباراً ولا يعطون أية أهمية للحياة والكرامة البشرية الإنسانية. وحين يكون هناك أي فعل أو عمل لا يتسم بالرحمة والشفقة والإنسانية فسرعان ما ينعت بالهمجية والوحشية. ولعل خير من يمثل هذا المصطلح في يومنا الراهن هي الوهابية الهمجية العنصرية التي تتبنى قوانيناً جائرة غريبة وشاذة عن الطبيعة والمألوف وعن كل المعايير والقيم والأعراف التي عرفتها البشرية على مر الزمان ) . " 2 "
يزداد عمل شيوخ الوهابية على ترسيخ قاعدة أو قانون المسئولية الفردية والتعتيم على مسئولية السلطة حين يتم مثلا التعرض لأزمات اجتماعية ما كالعنف الأسري مثلا أو العداء بين الأقارب أو الصراع على الميراث ... إلخ فإن كل هذه المشكلات لها حل واحد يتكون أولا من الاستشهاد من القرآن والسنة بالآيات والأحاديث التي تحث على الحب والود وصلة الرحم وثانيا كلام متكرر ومحفوظ منذ ملايين السنين عن ضرورة أن يحب الناس بعضهم بعضا وأن يكفوا عن إيذاء من حولهم وأن يبتعدوا عن المشاجرات والخصام والصراعات إلى آخر هذه العبارات والمقولات العامة الكلية المرسلة التي لا تأتي بجديد ولا تحمل أي تحديد يمكن من خلاله تجاوز ( الكلام الجميل ) الذي يسهل على أي أحد قوله حتى ولو كان كافرا نحو البحث عن الأسباب الحقيقية للعنف والعداء الكامنة فيما هو سياسي واقتصادي وبالتالي فيما هو اجتماعي وهكذا تكون الدنيا عند شيوخ الوهابية لا يوجد أسهل منها فليس عليك للاستيلاء على قلوب وعقول البشر سوى أن تقول قال الله وقال الرسول ثم تأتي بما تيسر من سير السلف الصالح التي تفيض بها كتب التراث ثم تدعو الناس للمحبة في الله وفي حال أن تحولت المشكلة المعروضة عليهم إلى أزمة معقدة غير قابلة للحل فإن دور المرحلة الأخيرة من الحل المجاني المحفوظ والمتكرر يأتي وهو أنه على صاحب المشكلة الصبر والاحتساب والاستبشار بالتعويض في الآخرة حيث يجزي الله كل الصابرين خيرا .
( أما الإنسان البسيط فكل ما يكون متأكدا منه أنه مذنب دائما ومقصّر طوال الوقت وأن عليه المزيد من التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله حتى ينال السعادة في الدنيا والآخرة وأن كل شيء موجود ويحدث في العالم ما هو إلا معجزة تتطلب أن يقال معها ( سبحان الله ) . " 3 "

* * *

مفهوم الذنب عند شيوخ الوهابية

الذنب عند شيوخ الوهابية هو ذلك الذنب الذي يصلح للعمل عليه مدى الحياة دون مشكلة وفي نفس الوقت يكون داعما أساسيا للسلطة كما أن الذخيرة التي يمتلكها شيوخ الوهابية عن الذنوب في صورتها التي تمكّنهم من التأثير من خلاها على أتباعهم .. هذه الذخيرة التي تمتليء بها كتب التراث الإسلامي تجعلهم قادرين على التحدث عنها حتى نهاية العالم دون أن تنفذ .
( الذنوب الغير مقصود بها مثلا الإبادة الجماعية والقتل المنهجي الذي تقوم به مثلا سلطة تجاه شعب ما عن طريق الفقر والبطالة والتعذيب ونهب الثروات وزرع الموت عمدا داخل مصادر الحياة كالماء والهواء والطعام كما أن المعاصي ليس المقصود بها اغتصاب الحكم وتزوير الانتخابات وتزييف إرادة الناس وقمع الحريات .. بالتأكيد لا يقصد شيوخ الوهابية ذلك وإلا لتحولت القنوات الدينية إلى دفاع متواصل عن حقوق الإنسان وانتصار لكرامته وإلى حرب مستمرة ضد الطغاة والقتلة واللصوص والعسكر ) " 4 "
وهكذا يتم استخدام الدين والله والرسول والقرآن والسنة لتحويل جرائم السلطة السياسية بتوابعها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية إلى مسئولية شخصية لدى من تم ارتكاب هذه الجرائم في حقه وهو الانسان البسيط باعتباره مقصرا في واجباته تجاه الله وهكذا يتم نفي المسئولية عن هذه السلطة
( فتأييد السلطة السياسية المستبدة هو من سمات الوهابية ومنذ أن حصل الاتفاق بين محمد بن عبدالوهاب وأمير آل سعود على أن تكون السلطة السياسية وراثية مؤبدةفي يد آل سعود بينما السلطة الدينية في سلالة آل الشيخ محمد عبد الوهاب ... فالحاكميحق له أن يحكم إلى الأبد ويحول الوطن إلى مزرعة خاصة له ولأولاده وذريته وأقاربه ويحق له أن يتصرف بثروات الأمة ويؤجرها بعقود تصل إلى مئة سنة إلى المحتل والمستعمر ويحق له أن يدعم إسرائيل علنا وسرا لكي تبيد الشعب الفلسطيني ويحق له أن يصول ويجول كيفما شاء ويحق له بان ينتقي من بنات البلد ما يشاء ليتمتع بهن ويحق له بان يتملك ما شاء من الإماء والجواري والعبيد ويفعل بهن ما شاء ويلقي بهن إلى الشارع متى شاء فهو صاحب الحق الإلهي المطلق وهو ظل الله في الأرض و حامي الثغوروهو الموقع عن رب العالمين فبه تصلح الأمة والرعية وبدونه تهلك وتفشل وتبوء بالخسران والضياع فهو بوصلة الأمةتدور حيث دارولذا يحرممخالفة سياسته حتى لو ألقت بنا إلى جحيمالاحتلال ) " 5 "
يعتمد الشيخ الوهابي على التعميم فحينما يتحدث مثلا عن السرقة أو القتل فإنه يتناولهما بشكل كلي مطلق بأن يردد عبارات عامة مثل السارق في النار والقاتل في جهنم وسيكون عذابهما شديد .. إلخ وهكذا فهو لا يتورط في تحديد من يسرق وممن يسرق وماذا يسرق أو من قتل ومن يقتل ولأي سبب قتل فيحدث التمميع المطلوب الذي يتساوى فيه على سبيل المثال سرقة حافظة نقود بسرقة شركة قطاع عام كما يتساوى أيضا حادثة قتل في مشاجرة وبين قتل أكثر من ألف شخص غرقا في عبّارة للحصول على تعويض .
( تتأسس الوهابية على طاعة ولي الامر طاعة مطلقة بغض النظر من هو هذا الملك وماهي أفعاله وماهومستواه الفكري وكيف وصل للحكم .وحيث أن ال سعود أريد لهم أن يكونواأتباعا للامبريالية العالمية ولايتم تعيينهم إلا بأمر ولي الأمرالانكليزي سابقا والأمريكي حاليا فيكون الوهابيون أو السلفيون تلقائياعبيدا ( بكل ماتعنيه كلمة العبد من معاني ! ) هؤلاء لا يأتمرون إلابأمرهمولاينطقون إلا بإشارة منهم ( " 6 "
وهنا تأتي أهمية قيمة ما يسمى بـ ( الرضا ) التي لا يكف شيوخ الوهابية عن التركيز عليها في قنواتهم وتسجيلاتهم ومواقعهم الالكترونية فالإنسان يجب أن يرضى مهما حدث له ومهما تم إهدار كرامته وسلب حقوقه والاستيلاء على ثرواته لصالح فئة حاكمة باعتبار أن هذا قدر من الله ولا ينبغي الاعتراض عليه أو تحديه كما أن الجزاء والمكسب الحقيقي ليس في الدنيا باعتبارها عالم المادة والأهواء والشهوات الزائل وإنما سيكون الفوز الحقيقي في الآخرة والجنة التي بها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر حيث سيتم تعويضك كإنسان من خلال النعيم والأنهار والقصور والفاكهة والغلمان والحور العين عن كل ما صبرت عليه في الدنيا وذلك إذا ما غفر الله لك ( خطاياك ) وتجاوز عن سيئاتك ولم يدخلك النار بفضله ورحمته .. وهكذا فإن سلطة شيوخ الوهابية تستمد قوتها الحقيقية من خلال دعمها للأنظمة الاستبدادية وتواطؤها مع مشاريعهم الدموية ضد الإنسان العادي الذي لا يمتلك قصرا جمهوريا أو ملكيا ولا مجلس وزراء ولا مجلس شعب ولا وزارة داخلية ولكنه يمتلك ذنوب ومعاصي ينبغي أن يسرع بالتكفير عنها قبل الموت وأن يلحق بيوم القيامة وهو تائب .
( كل الأفكار السلفية تمتاز ميزة واحدة ومشتركة فيما بينها،إنها تتأسس أو يؤسسها السلاطين الظلمة فقط لتكون الوسيلة المستخدمة من قبل هؤلاء السلاطين والمقود الحقيقي في قيادة وظلم مجتمعاتهم، وفي التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك، وإلى الآن لم يحصل في تاريخ الأمم إن هنالك من السلفيين ممن ثاروا ضد ظلم سلاطينهم أبدا، وإن وجد فإن الخلاف ليس بسبب الإسلام ولكن بسبب استغناء الحكام عنهم في تسييس أمور البلد ولعل الفكر الوهابي أفضل نموذج لهذه الأفكار الهشة)"7"

* * *

أزمات الإنسان وعلاقتها بالوهابية

حينما يكون الواقع بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية ليس سوى آلة تعذيب كبيرة متعددة الأدوات لا تترك مجالا أو فرصة أو هامشا ضئيلا من الحلول أو حتى الأمل في الحصول على خلاص ما من الهزائم التي يحاصر بها هذا الواقع الإنسان فمن البديهي أن يسعى الإنسان للخروج أو التخلص بأي طريقة من التبعية لهذا الواقع عبر تجاوز حدوده نحو ما هو غيبي / ديني رغبة في الحصول على أي نجاة ممكنة سواء في الدنيا أو في الآخرة بعد الموت تضع حدا ولو بدرجة لإخفاق الإنسان في التوصل لأي نوع من المصالحة مع واقعه اليومي .
الإنسان هنا وبهذه الطريقة بكل ما يحمله من ضعف وحيرة ويأس يكون مهيأ تماما لقبول قرارات وأحكام هذا العالم الغيبي المفترض الذي يحكمه شيوخ السلفية فيحدث الاستسلام التلقائي للسلطة الدينية مما يؤدي بالضرورة للطاعة العمياء لرجال هذه السلطة فيعتنق الإنسان حقيقة أنهم لا يتحدثون إلا بالصدق والحق ولا يمكن أن يأتيهم الباطل أبدا من بين أيديهم ولا من خلفهم طالما أن ذقونهم طويلة ويرتدون الملابس المناسبة التي تليق بعالم النور والحقيقة الذي يعيشون فيه والذي سيأخذون إليه بالضرورة كل من آمن بهم واتبعهم وسار على هديهم وطالما أيضا أنهم لا يتحدثون إلا بالقرآن والسنة وسير السلف الصالح التي لا يجب مناقشتها أو مراجعتها أو حتى التفكير فيها بشكل آخر سوى التقديس التام الذي يضمن سلامة الثوابت العقائدية التي لولاها ما كان هناك عالم غيبي تم تفصيله وتجهيزه وترسيخه على هوى السلطة الدينية وبالتالي ما كان هناك شيوخ يتمتعون برفاهية هذه السلطة .
( أحسنت الجماعات الوهابية أستغلال ظروف المجتمع من فقر و جهل و تهميش للمواطن, للتغلغل و السيطرة و بث السموم و الفكر المتطرف, و ساعدها غض طرف الحكومة عما يحدث و تركها الساحة لهم ليغيبوا الشعب و يستخدموا الدين كالأفيون لأغراق المواطنين فى تفاصيل و صراعات لا تؤدى الا الى مزيد من التخلف, و لكنها تتيح الفرصة للحكومة للتفرغ للتهليب و الفساد, لقد تم التشويش على المواطن و اغراقه فى مشكلات مفتعلة يتكسب منها الدعاه و تلهى الشعب و تسد فراغ الحياة السياسية ) " 8 "
استسلام الإنسان وطاعته لسلطة شيوخ الوهابية يؤديان لتثبيته للصورة التي زرعها فيه هؤلاء الشيوخ عن نفسه وهو أنه ليس أكثر من ( حزمة ذنوب ) .. تتحول هذه الصورة مع الإلحاح المتواصل ومع استمرار الواقع الحياتي في تضييق الخناق ومحاصرته للإنسان بالأزمات التي لا تعد ولا تحصى وإصابته بكل ما يمكن تصوره من التشوهات والأمراض تتحول هذه الصورة أو الفكرة إلى حقيقة مطلقة لا مجال للجدال فيها فيحدث ما يشبه البرمجة الشعورية لهذا الإنسان التي تجعله دائما يهرول ويسعى ويخضع ويستجيب لشيوخ السلفية / حكام العالم الغيبي طمعا في الحصول على المغفرة والرحمة كما يليق حقا بكونه ( حزمة ذنوب ) .
( لقد تركت الحكومة مروجى الفكر الوهابى يسيطرون على وسائل الأعلام ليس فقط خشية التصادم مع الجماعات المتطرفة, ولكن للتشويش على المواطن و اغراقه فى دوامة يروج لها على أنها تدين ليصبح الشغل الشاغل للناس تقييم كل تفصيلة و لو تافهة من منظور أسلامى, لقد و جد المتأسلمون فى الاستسلام الحكومى ضالتهم و عملوا على التركيز على مظاهر التدين كحث الناس على الحجاب و النقاب و اطلاق اللحى و التى تمكنهم من استعراض القوى و التفاخر بسهولة التأكد من تواجدهم و تاثيرهم فى الشارع المصرى , و انتشر الدعاه الجدد الذين يجيدوا أستغلال الفهلوة ليرسخوا الخرافات و الخزعبلات و يفزعوا الناس و يشككوهم فى كل تفاصيل حياتهم ,مبشرينهم بجهنم و بئس المصير, فانتشرت و تضاربت الفتاوى فى التلفزيون و الإذاعة و الصحف و حتى الانترنت فأصبحوا يتصدون للإجابة على أسئلة من عينة هل ضرب الزوجة واجب شرعا؟ النسكافية حلال و لا حرام؟ هل استخدام ماكينة الحلاقة الكهربائية حلال؟ هل وجود كلب ذكر مع سيده دون محرم حرام؟! ) " 9 "
الإنسان البسيط يمثل الصلصال الطيع في أيدي شيوخ الوهابية بيأسه من واقعه أولا وخوفه من المستقبل سواء مستقبله الشخصي أو مستقبل أولاده ثانيا وكذلك لأنه لا يمتلك ببساطة العقلية النقدية التي لا تأخذ المقولات والأفكار كما هي دون تفكير ومراجعة ومحاكمة .. كيف يمكن أن نتحدث عن عقلية نقدية في ظل انتشار الأمية وخضوع المتعلمين لأنظمة تعليمية فاشلة متعاقبة وانحطاط ثقافي متزايد منذ عشرات السنوات وكوارث سياسية واقتصادية واجتماعية متعاقبة أدت لتفاقم بشع لأزمات الفقر والبطالة والصحة والسكن بالتوازي مع مناخ عام ومسيطر من الفوضى والصراع والفساد فبالتالي من الطبيعي أن تنتج حياة كهذه كائنات غاية في التشوه متخمة بكافة أنواع العقد والأمراض النفسية و المجتمعية .
( وفى القنوات الفضائية السعودية يظهر يوميا عشرات المشايخ الذين يتكلمون على مدى 24 ساعة عن تعاليم الإسلام . ولا يتكلم أحد منهم أبدا عن حق المواطن فى إنتخاب من يحكمه . أو قوانين الطوارىء والتعذيب والإعتقالات. الفكر السلفى يؤسس للتدين البديل الذى يريحك من تبعات إتخاذ موقف حقيقى من أجل العدل والحرية .بل إن بعض الدعاة الجدد يفخرون ويفخر أتباعهم بأنهم قد نجحوا فى إقناع فتيات كثيرات بإرتداء الحجاب ) "10"

* * *

تحول الإنسان إلى جندي خادم للوهابية

قد يؤدي الاستغراق والانغماس في التبعية والولاء لشيوخ والوهابية أن يتحول الإنسان إلى أداة من أدواتهم ومنفذا لأوامرهم بين الناس ليس بسبب احتياج هذا الإنسان للاقتداء بالشيخ الوهابي فحسب بصفته طريقه الوحيد للخلاص من الألم وإنما أيضا للحصول على نصيب ما من رفاهية السلطة الدينية كتعويض عن هذا الألم .. فالأداة التي يتم تربيتها على يد شيوخ الوهابية تعتبر إخلاصها الكامل لهؤلاء الشيوخ سببا كافيا ومقنعا جدا لأن تستحق حمل الروح المتعالية التي يحملها الشيوخ فتمنح هذه الأداة نفسها منزلة أكبر من منزلة باقي البشر وبالتالي تقرر أن من حقها تعيين نفسها موضع الوصاية على الناس ومراقبة أفعالهم وسلوكياتهم وأفكارهم والتدخل الإجباري في شئونهم وأحوالهم بدعوى تقديم النصح والإرشاد والرغبة في توجيههم إلى طريق الخير والهداية خاصة لو كان هؤلاء الناس ينتمون لشبكة العلاقات الأسرية والعائلية حيث يسهل نسبيا ممارسة السلطة عليهم مقارنة بالآخرين الذين لا يرتبطون بهذا الإنسان / الأداة بصلة اجتماعية ما .. وحينما يحدث ولا يتقبل الناس هذا التدخل قد ينتج عن ذلك تطورا عدوانيا في عمل هذه الأداة فيتحول التدخل القسري في حياة الناس إلى اقتحامات تهديدية لا تهدأ في أدق خصوصياتهم من خلال الترهيب والوعيد والمحاسبة والرغبة في التغيير بالقوة والعنف وفقا لما ينسجم مع الثقافة الوهابية .
( فبعد أن انتشرت الثقافة الوهابية( الحجاب، الجلباب، النقاب، احتقار المرأة، الجلد والرجم وقطع الرأس، اعتزال الفنانات وتحجيبهم، فوبيا الجنس، فتاوى التكفير والقتل وجز الرقاب، فقه البعير والإرضاع.....إلخ)، انهارت البنية الأخلاقية التقليدية لهذه المجتمعات. ولا أدل على هذه الحقائق القاتلة سوى ما حصل في مصر التي يمكن أن نأخذها كنموذج عن الهزيمة المدوية للمشروع التنويري والتحديثي في المنطقة. مصر التي كانت تمثل سابقاً ثقلاً حضارياً هائلاً في المنطقة، وكانت تشع فكراً وأصالة وفناً وإبداعاً وتصدره لدول الجوار أضحت اليوم في وضع يتطلب الشفقة والرثاء. ومن يتذكر الفترة الليبرالية والتحديث التي سادت في مصر الخمسينات والستينات الزاهية ويقارنها بمصر اليوم، يدرك حجم المأساة والكارثة التي أوصل زعماء اليوم مصر إليها عبر تواطؤ مفضوح لجر مصر إلى مذبح الوهابية، ويصاب عندها بالخيبة والدهشة والإحباط. لقد تحولت مصر اليوم إلى مجرد إمارة إسلامية تدور في الفلك الوهابي ) " 11 "
يدافع الإنسان عن شيوخ السلفية في مواجهة منتقديهم ومعارضيهم والمختلفين معهم .. الإنسان هنا على استعداد تام لتوجيه كافة أشكال ومظاهر الأذى الممكنة ضد إنسان آخر قرر أن ينتقد شيخا وهابيا .. على استعداد لسبه وإهانته في نفسه وكرامته وأهله واتهامه بالجهل والعمالة والزندقة والفسق والكفر .. على استعداد لإهدار دمه إذا كان له رأيا يعارض مقولة لشيخ سلفي ما .. ولم لا يفعل ؟ .. هذا الإنسان ليست في يده حيلة فحياته عبارة عن أشلاء وحطام ولا يوجد أمامه سوى الغيب / الدين كي يلجأ إليه كي يساعده على اللحاق بأي مكسب محتمل في الدنيا والفوز بالجنة في الآخرة .. هذا الغيب لن يكرم الله به هذا الإنسان إلا عن طريق هذا الشيخ الوهابي السلفي وللأسباب التي ذكرناها سابقا المتعلقة بالملابس وآيات القرآن وأحاديث السنة وسير السلف الصالح فلماذا لا يدافع عنه إذن بل ويستميت في الدفاع عنه بكل ما أوتي من قوة وبكافة السبل الممكنة بعد أن أصبح له هذا الشيخ هو طوق النجاة الوحيد والأخير لذا فإن أي انتقاد لهذا الشيخ يمثل عبثا لا يمكن قبوله أو احتماله بمقدرات هذا الإنسان ومصيره النهائي .
( كاتب ينشر مقالا في أحد المواقع على شبكة الإنترنت التي تسمح للقراء بكتابة تعليقاتهم ثم نشرها .. المقال يحمل رؤية نقدية أو متشككة أو استفهامية للدين .. التعليقات يحمل كثير منها تذكيرا عدائيا بالموت !!! .. ما معنى هذا ؟! .. ما معنى أنه حينما يحمل إنسان ما وعيا يرفض الوصاية العقيمة للثوابت والمسلمات والإجابات المتداولة والجاهزة المرتبطة بعقيدة معينة على أفكاره ومشاعره يكون الرد هو التنبيه الأقرب للتهديد بأنه ـ كاتب المقال ـ سيموت ذات يوم ؟! .. ما معنى أن يكون عدم اقتناع إنسان ما باليقينيات والأنساق والقرارات الخاضعة لنص ديني ولسلطة رجال دين يكون نتيجته هو التحذير من الموت كنوع من العقاب على اقتراف هذا الكاتب لإثم التفكير بهذا الشكل وجزاء له على ارتكابه لمعصية الأرق وذنب الانشغال بهموم محرمة ؟! .
ـ ( الموت هو " الفوقان الأكبر " ... أدعو الله من كل قلبي أن تفيق فوقة صغرى .. قبل الفوقة الكبرى ) .
ـ ( في القبر ستكتشف أنت وأمثالك الحقيقة ) .
ـ ( بعد الموت ستعرف أنك من الخاسرين .. لكن ساعتها لن ينفع الندم ) .
ـ ( أتمنى أن تسترد صوابك قبل أن يأتيك الموت فجأة ) .
ـ ( أخشى عليك من ساعة الحقيقة ) .
كأن كل من كتب مثل هذه العبارات هو ببساطة وباختصار شخص مات ثم عاد من الموت ليصدر أحكاما تصنيفية لا مجال للتشكيك في صحتها ـ بصفته جرّب الموت ـ عن من الفائز ومن الخاسر في نهاية الأمر .. كأنه ليس إنسانا مثله مثل كاتب المقال لا يزال يعيش في الدنيا ولم يستطع هو وبالعقيدة التي يؤمن بها وبمن يشاركونه الإيمان بهذه العقيدة لم يستطع تغيير الدنيا وإنقاذ العالم والقضاء على الشر ووضع نهاية لعذاب الإنسان .. كأنه ليس عاجزا عن حماية الآخرين أوحماية نفسه من الأذى أو أن يضمن مصيره هو شخصيا حينما تأتي ( ساعة الحقيقة المفاجئة ) !!! ) " 12 "
وهكذا فإن الإنسان العادي حينما يتحول لجندي يخدم الثقافة الوهابية وشيوخها ويتحول إلى أداة الهدف من وجودها هو تنفيذ أوامرها والدفاع عنها ومواجهة أعدائها والانتصار على خصومها فإنه يستخدام كافة أشكال الإرهاب الممكنة في الحفاظ على سلامة وأمان هذا الفكر وهؤلاء الشيوخ وخاصة حين ينشط شيوخ الوهابية مثلا ضد كتاب أو عمل فني ما ففي هذا الوقت ينشط معهم كافة الأتباع والمريدين والمؤيدين لخوض المعركة معهم باعتبارهم أصحاب الحق ومن يخالفهم فهو بالتأكيد يتبنى الموقف الباطل .
( على الفن داخل هذه المجتمعات أن يواجه هموما إضافية ومتاعب وآلام متزايدة لا تنتهي بسبب الحروب والمعارك التي تحتم عليه خوضها دفاعا عن نفسه وعن حقه في الوجود ضد الذين لا يطيقون العيش دون أن يؤكدوا لأنفسهم وللآخرين طوال الوقت أنهم الوحيدون الذين يفهمون كل شيء .. ضد محتكري الحقيقة المتاجرين بـ ( قال الله ) و ( قال الرسول ) .. ضد المهووسين بالسيطرة على حياة الناس وموتهم وباتخاذ قرارات إدخالهم الجنة أو النار اعتمادا وثقة في الغريزة الإيمانية والموروث العقائدي لدى البشر الذي يجعلهم تلقائيا يستجيبون ويوافقون ويخضعون لكل ما له علاقة بالدين ـ مهما كان ـ باعتباره هو الخير دائما .. الذين لايتحملون أن يتم التعامل معهم بأقل من التقديس بصفتهم الكائنات الأرقى والأطهر والأنقى من المخلوقات العادية
هؤلاء لاينظرون إلى الفن والإبداع إلا كوسيلة متاحة وفرصة سهلة يجب استغلالها كما يجب لترسيخ كونهم المكلفين من الله بإنقاذ العالم من الشر فيبدأون عملهم تحت حماية العمامة واللحية والقرآن والسنة في الصراخ والتحريض والمنع والهدم والإقصاء قبل أن يأخذ كل منهم نفسا عميقا كبطل مطمئن انتهى من جهاده المقدس بنجاح استطاع أن يكسب به الدنيا والآخرة !!.
لافرق بين أن يكونوا على وعي بأنهم يعملون لمصلحتهم الشخصية أو لمصلحة سلطة أو لصالح علاقة تجمع المصلحتين معا .. لافرق بين أن يكونوا صادقين مع أنفسهم بأنهم هكذا فعلا يخدمون الله والعقيدة والإنسان أو أنهم يدركون أن ما يمارسونه هو تزييف مقصود بامتياز .. في جميع الأحوال النتيجة واحدة : مجرد حياة تُقتل باسم إله وسعت رحمته كل شيء !!! .
لكن ما الغريب في ذلك ؟! .. أليس رجال الدين بشرا عاديين يسعون للخلاص وللأمان ولو بالاعتداء على الآخرين وعلى حريتهم ورغبتهم في الخلاص والأمان ؟! .. أليس الإنسان بالنسبة لهم ليس أكثر من مجرد كتلة من الذنوب والمعاصي والآثام تسير على قدمين ؟! .. أليس لديهم الحل المجاني السهل والتقليدي ويمثل المادة الخام الأزلية التي لاتنفذ أبدا وبالتالي تضمن لهم دوام العمل والسلطة والمال والشهرة .. هذه المادة الخام ببساطة هي أن كافة هزائم وإخفاقات وشقاء الإنسان سببها الوحيد أنه لايعبد الله جيدا ؟!! .. أليست العصور والأزمنة المتعاقبة تثبت أن وجودهم حتمي طوال التاريخ الذي لابد أن تتوفر به كافة العوامل والأسباب اللازمة لإنتاج من يصدقون أنفسهم بأنهم أشباه رسل أو أشباه ملائكة وينبغي عليهم نتيجة لذلك تفريغ دماملهم كيفما شاءوا فوق عمل مسرحي أو لقطة سينمائية أو مشهد روائي أو سطور في قصيدة أو قصة قصيرة أو ... أو ... .. التاريخ الذي لابد أن تتوفر به كافة العوامل والأسباب اللازمة لإنتاج المستعدين دوما للاستجابة إلى أمراضهم الشخصية أو إلى التعليمات الحكومية أو قوى الخارج بالتدخل لقتل الناس في أي وقت ؟! ) " 13 "
بينما يجند شيوخ الوهابية الناس العادية كمذنبين مرتكبين للمعاصي ومسئولين عن أزمات الحياة ودخول النار في الآخرة ويسعون للمغفرة والرحمة ودخول الجنة عبر الطرق التي يحددها لهم هؤلاء الشيوخ فكان واجبا على هؤلاء الناس الدفاع الدائم والمستميت عنهم بصفتهم الذين يعرفون الطرق إلى النعيم في الدنيا والآخرة وأن عليهم الرضا بما قسمه الله الذي يعني في باطنه ماقسمته السلطة والصبر والاحتساب والإيمان بأن الجزاء الأعظم في الآخرة وليس في الدنيا الزائلة .. هؤلاء وهم يخضعون ويستجيبون ويحاربون إخوانهم دفاعا عن شيوخ الوهابية ليست هناك فرص كبيرة في ظل هذه البرمجة وهذا التغييب الأشبه بالتنويم المغناطيسي ليست هناك فرص كبيرة لديهم لمقارنة حياتهم الشخصية بحياة هؤلاء الشيوخ .. فبينما الفرد العادي يعاني من الفقر والبطالة ويسكن هو وزوجته وأبنائه داخل عشة صفيح من عشش العشوائيات أو بيت عبارة عن حجرة واحدة أو منزل فقير متهدم ويتعذب في وسائل المواصلات ويقف في طوابير الخبز والغاز وأحيانا يموت لأنه لا يجد ثمن الدواء إن مرض ويكون معرضا في أي وقت حتى لو كان مواطنا صالحا لبطش الشرطة داخل وخارج أقسام البوليس ويكون مهددا بالموت داخل المستشفيات الحكومية التي إما تمتنع عن قبوله بسبب تكدس المرضى الفقراء داخلها أو بالإهمال الطبي إن تمت الموافقة على دخوله .. الذي يعاني في توفير أبسط ضروريات العيش كالطعام والملبس والتعليم والدواء
أما الشيخ الوهابي فيعيش في أفخم البيوت ويرتدي أرقى الثياب ويأكل أجود الأطعمة ويركب أحسن السيارات ويراعى طبيا أفضل رعاية ويتزوج بدل المرأة أربعة وينجب من الأبناء ما يتجاوز أحيانا أصابع اليدين ولديه مشاريعه التجارية الكثيرة وأبراجه السكنية وأرصدته البنكية التي تتضخم مع كل لحظة يتحدث فيها عن ذنوب الإنسان والتوبة وتكفير من ليس على هواه .
( وتستعدي الوهابية اليوم كل أديان العالم وتكفرها في خطابها التقليدي وتدعي لوحدها العصمة والنجاة، وتستخدم كل نفوذها اليوم، وعبر عوائد البترودولار العالية، ( قفز سعر البرميل في الشهر الماضي فوق حاجز المائة دولار للمرة الأولى في التاريخ)، لتصدير أنموذجها السلطوي، تحت شتى المسميات والطرق كالبعثات الدينية(يشارك الأزهر في قسط منها)، والدعم المادي، وافتتاح الجوامع، والمراكز الثقافية الوهابية التي تنشر فكر الموت والكراهية والتفرقة بين الناس، وتساعد على انتشار الإرهاب والعمليات الإرهابية في العالم (" 14 "

* * *

أثر الوهابية على الإنسان

تأثر الإنسان بالوهابية وشيوخها هو بمثابة قذف لهذا الإنسان في جحيم متاهة إضافية شرسة تضاف لمصائبه السابقة وهو إحساسه الدائم والمتواصل بالإدانة والتقصير تجاه الله والدين وعلى هذا الأساس يحاول بشتى الطرق عدم ارتكاب الذنوب والمعاصي لكنه في نفس الوقت كبشر عادي يرتكب ما يعتبره إثما فيزداد ويتعمق لديه اليقين بأنه مذنب حقا ومدان ومقصر مما ينتج أزمات وأمراض وعقد نفسية تتراكم وتتشابك تفرز تشوهات اجتماعية مركبة حيث إلى جانب هذا الصراع الباطني داخل الإنسان العادي من كونه يسعى للخلاص من أزماته الواقعية وبين كونه متهما طوال الوقت بفضل شيوخ الوهابية بأنه المسئول عن هذه الأزمات بسبب علاقته الغير مثالية بالله والدين وبين رغبة هذا الإنسان في إصلاح هذه العلاقة الذي سيتم القضاء معه على هذه الأزمات الواقعية وبين عدم قدرة الإنسان على الالتزام الكامل بشكل العلاقة بينه وبين الله والدين كما يحددها شيوخ الوهابية نظرا لكونها بعيدة كل البعد عن الظروف والشروط الموضوعية التي تحكم حياة الإنسان الذي مهما حاول الالتزام بهذا الشكل من العلاقة فإنه لن ينجح في جعلها أتم حالاتها مثالية وكمالا لانعدام ما هو مثالي تام أو كامل تام وحتى لو حدث فإن أزمات الواقع تزداد شراسة وقسوة وتضييقا للخناق على هذا الانسان لأن أزمات هذا الواقع لا علاقة لها بالصلة التي تربط بينه وبين الله والدين لأن الإنسان ببساطة مهما كان قريبا من الله وعابدا مطيعا ومثاليا له وملتزما بكل أوامره ومبتعدا عن كافة نواهيه وتحول حتى إلى ولي من أولياء الله الصالحين فإن كل هذا لن يجعله محميا من جرائم السلطة السياسية التي تتحكم في أبسط وأتفه مقدرات حياته ولن تجعله في مأمن من الظلم الاجتماعي والبطش الأمني ... إلخ
( لو تتبعت تراث محمد بن عبد الوهاب وقاده الوهابية الأوائلمن بعده فلا تجد فيه أثرا لعماره الارض، واقامه العدل، وانصاف المظلوم، ومكافحهالفقر والجهل..
ولا تجد فيه اثرا لتحسين وجه الحياه، وتحقيق التقدم العلمى والاقتصادىوالاجتماعى..ولا اثرا للسلم والرخاء..
بل لا تجد فيه سوى تكفير المسلمين ورميهم بالشرك، وايجاب قتالهم واستباحه دمائهمواموالهم!!
ان كل الذى يشغلهم هو وجود قبر هنا، ومسجد هناك، ورجل يقول: يا نبى الرحمه اشفعلى عند اللّه!!
هذا هو شغلهم لا غير، وهذا هو همهم الوحيد الذى انطلقوا تحت غطائه يسفكون دماءالمسلمين ويستبيحون المحرمات ويثيرون الفتن واحده بعد الاخرى، ولا يهمهم بعد ذلك انتكون بلاد المسلمين غرضا للاعداء من مشركين وكفار وصليبيين وصهاينه.
هل هز مشاعر شيوخ الوهابيه وامرائهم ما جرى لبيت المقدس، ولمسلمى البوسنهوالهرسك ولبنان، كما هزهم قبر سيد الشهداء حمزه بن عبد المطلب الذى كان الصحابهيزورونه ويصلون عنده؟
ام اثارهم التسلط الامريكى على منابع النفط فى بلادنا الاسلاميه، كما اثارهم قبرريحانه الرسول الحسين بن على الذى كان الصحابه والتابعون يشدون الرحال لزيارته وحتىفى زمن الامام احمد بن حنبل كما تقدم نقله عن ابن تيميه؟
وهل سيثيرهم الحصار المفروض على الشعب الليبى المسلم بلا حجه وبلا ادنى ذريعهيمكن قبولها، كما اثارهم ما وجدوه من هدايا علقت عند قبر الرسول الاكرم؟
ليتنا نجد منهم ذلك او بعضا من ذلك..
انها لمن دواعى الأسى ان تنفق كل هذه الاوقات والجهود والاموال والطاقات الفكريهفى الخوض فى سفاسف الامور وتوافه الكلام التى لا ينشد لها الا الجهله والغوغاءوالعاطلون من الناس.
ان الذى جعل الوهابيه يجدون شغلهم الشاغل فى هذه المواضع عده امور كلها تصدقعليهم:
منها: الضحاله الفكريه وضيق الافق.. فهم لا يحسنون شيئا الا هذا النوع منالكلام، ولا تستوعب اذهانهم سوى هذا المدى من التفكير.
ومنها: العجز عن فهم الحياه وعن مواكبه العصر.. فهم عاجزون تماما عن التقدم فىالبحوث الدينيه والعلميه والاجتماعيه تقدما مقبولا فى هذا العصر الحديث، فينكبونعلى الكلام البالى والمتهرى فيبالغون فى تعظيمه وتقديسه لكى يجدوا لانفسهم منفذايطلون منه على هذا العالم المتقدم.
ومنها: ضيق صدورهم وامتلا قلوبهم بالحقد وكراهيه الخير وحب الشر لهذه الامه.. فمن تتبع لهجاتهم ونبراتهم المتشنجه والمتوتره وانشدادهم انشدادا فى غير محله وتهورهم فى الخطاب، لمس فيهم الضحاله وضيق الافق والحقد والبغض والهمجيه والتخلفبكل معانيها.
ومنها: موالاتهم الصريحه والعلنيه لاعداء الاسلام.. وهذا موضوع لا يحتاج الىبيان وليس هو بخاف على احد، فليس بين فئات المسلمين من يدين بالولاء للغرب كما يدينله الوهابيه، يخضعون له ويتقربون اليه ويدافعون عن عملائه الخونه، وما يزال هذا هودينهم الذى لا يرتضون له بدلا.
ان وجودهم فى بلاد الاسلام فتح ولا يزال يفتح الابواب امام الصهيونيه والصليبيهالمعتديه لتنفذ كيف تشاء فى الكيان الاسلامى، فتمزق وتنهب وتدمر وتحاصر وتبسطنفوذها، وهولاء يمهدون لها كل شى‏ء ويساندون اخوانهم الخونه فى كل مكان..
انهم الجرثومه الخبيثه التى مهدت للغرب سابقا ان يزرع اسرائيل اللقيطه فى قلبهذه الامه.. وهم الذين ساندوا على الدوام جميع الانظمه العميله للغرب ووقفوا معهابوجه حركات التحرر الابيه..
وهم الجرثومه الخبيثه التى تمهد اليوم لتثبيت اقدام المعسكر الغربى فى قلبالعالم الاسلامى.. ولتثبيت اسرائيل اللقيطه حتى لا يفكر احد فى ازالتها..
وهم الايادى اللعينه التى يحركها الغرب لمواجهه الصحوه الاسلاميه المتصاعدهاليوم ومسانده الانظمه العمليه والمنافقه التى تتولى قمع الصحوه الاسلاميه بالناروالحديد.هذه هى حقيقه ما انجزه الوهابيه وما ينجزونه اليوم وما يدينون بهلمستقبلهم!!
انهم يخشون الصحوه الاسلاميه كما تخشاها اسرائيل، لان مصيرهم اصبح رهينا بمصيراسرائيل) " 15 "
إحساس الإنسان الدائم بالإدانة والتقصير في حق الله والدين وإحساسه بعدم قدرته مهما فعل على الوصول على الشكل المثالي الكامل لهذه العلاقة يزيد من آلامه النفسية ومن إحباطاته ويأسه ومن أزماته التي تضاف لأزماته السابقة فيجعله هذا في حالة دائمة من العدوانية والتحفز والرغبة في العراك والشجار وذلك للتنفيس عن الكبت الداخلي المتراكم والمتزايد الذي يخنق روحه ويضغط عليها .. هذه الحالة العدوانية تورط الإنسان فيما قرره شيوخ الوهابية سلفا بأنها ذنوب وآثام ومعاصي فيزداد الصراع الباطني لدى الإنسان ويتعمق بين رغبته في حل مشكلاته الاجتماعية وأزماته النفسية وبين يقينه بكونه مقصرا تجاه الله والدين وبين إحساسه بالعجز والذنب والندم لكونه غير قادر على الوصول لعلاقة مثالية كاملة مع الله والدين ولكون مشكلاته الاجتماعية وأزماته النفسية تزداد وتصبح لحظة بعد لحظة أكثر شراسة وقسوة كل هذا في حالة صراع دائم داخل الإنسان .

* * *

خاتمة

ليس هناك أسهل من تتحدث عن انتهاكات أي سلطة سياسية ضدك كإنسان محكوم بشهوات هذه السلطة في كافة مظاهرها وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية .. ماذا لو كانت الانتهاكات على يد سلطة وقودها الدين ؟ .. هي ليست انتهاكات إذن بل شيء آخر يفوق بالتأكيد أقصى ما يمكن أن ترتكبه أي سلطة سياسية من جرائم .

* * *

المصادر

2 ـ السابق
3 ـ تعذيب شاب في قسم الشرطة حتى الموت .. سبحان الله / ممدوح رزق ـ مدونات إيلاف ـ 8/6/2008
4 ـ السابق
5 ـ الرجعية الوهابية تتمترس مجددا في خندق الصهيونية / صالح أبو طويلة ـ مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي ـ 2009 / 1 / 30
6 ـالوهابية والتربية / أسامة النجفي ـ الرفاعي نت ـ 11 / 4 / 2008
7 ـ هشاشة الفكر الوهابي / سامي جواد كاظم ـ شبكة النبأ المعلوماتية ـ الجمعة 12 تشرين الاول/2007
8 ـ النسكافية حلال و لا حرام؟ / لبنى حسن ـ الحوار المتمدن - العدد: 1225 - 2005 / 6 / 11
9 ـ السابق
10 ـ ظاهرة التدين البديل / د. علاء الأسوانى ـ جريدة الدستور 2008-07-23
11 ـ الحرب علي الوهابية / نضال نعيسة ـ مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي ـ 2008 / 2 / 10
12 ـ العائدون من الموت / ممدوح رزق ـ صحيفة العالمية ـ 18 / 7 / 2007
13 ـ تساؤلات الكمال الإنساني في مواجهة البلطجة الدينية / ممدوح رزق ـ مصر العلمانية ـ العدد الأول ـ أغسطس 2008
14 ـ الحرب علي الوهابية / نضال نعيسة ـ مركز الدراسات والابحاث العلمانية في العالم العربي ـ 2008 / 2 / 10
15 ـ الوهابية في صورتها الحقيقية / صائب عبد الحميد ـ موقع المكتبة الإسلامية ـ www.rafed.net/books/aqaed/alwahhabiya/index.html

* * *

صحيفة ( وطن ) اليومية
http://www.watan.com/2009040110400/2009-04-01-17-45-01.html

Monday, March 23, 2009

فخ الأمنيات في رواية ( الصيف قبل الظلام ) لـ دوريس ليسنج


ربة المنزل التي تسعى لإنقاذ أحلامها من الضياع والموت بعد أن تحولت إلى مجرد زوجة وأم .. المرأة التي عاشت تجارب مختلفة في كثير من القصص القصيرة والأفلام السينمائية والروايات لعل أجمل هذه التجارب بالنسبة لي حينما كانت هذه المرأة هي ( دورا ) في القصة الرائعة للكاتبة الإيطالية ( أنجلا ديانا دي فرنشيسكا ) : ( لا تجعليهم يجدونك ) ، وأيضا حينما كانت ( فرنشيسكا ) التي جسدتها بعبقرية ( ميريل ستريب ) بصحبة أحد أحب أيقوناتي السينمائية ( كلينت استوود ) في فيلمهما الساحر : ( جسور مقاطعة ماديسون ) وكذلك ( كيت براون ) في رواية ( دوريس ليسنج ) : ( الصيف قبل الظلام ) .. هذه الرواية ـ رغم أنها أصبحت أكثر جمالا حين استبعدت منها كثيرا من الصفحات المتخمة بالشروح والاستطرادات والوصف المستفيض والتفاصيل والأحداث التي لم يكن لها ضرورة عندي والتي كانت تشعرني أن ( دوريس ليسنج ) لا تريدني أن أكتشف شيئا بنفسي ـ هذه الرواية حققت قيمة مهمة للغاية في الفن الروائي لا تنجز كثيرا في رأيي وهي الإلهام بتأملات لم تتم مصادفتها بوضوح داخل صفحات الرواية وإنما تعطي إدراكا بشكل ما أنها الدماء الغنية التي تنشط وراء جلد الكلمات والسطور والتي وفرت الحياة الحقيقية للروح العميقة للرواية .

يحدث أحيانا أن تقرأ رواية وتجدها جميلة حقا ويكون بإمكانك التحدث كثيرا عن استمتاعك بقراءتها وتعايشك مع شخصياتها وأحداثها ومع كافة الأفكار والمشاعر التي أنتجت عبر صفحاتها ولكن يحدث أيضا أن تكتشف أن كل ما تحدثت به كان مطروحا في الرواية بوضوح تام ولم يكن متواريا عن عينيك كقاريء .. أن ما تحدثت به لم يكن نتيجة علاقة مع تساؤلات مختبئة دفعتك الرواية لاكتشافها والتواصل والاشتباك معها وإنما كان عبارة عن وصف التأثيرات الذهنية والنفسية المختلفة لتفاصيل صريحة حملها خطاب الرواية المعلن على إنسانيتك أثناء قراءتك لها.. هنا يكمن الرهان الحقيقي من وجهة نظري للرواية بشكل عام .. أن تحافظ على قدرتها على الإلهام رغم وفرة المعطيات المباشرة التي منحتها لك عبر صفحاتها الكثيرة بحيث تفتح لك أبواب متعددة نحو الوصول إلى ما لم تتضمنه ظاهريا فتحقق ما تعودّت القصة القصيرة أن تنجزه بفضل قصرها الشكلي وطبيعتها التكثيفية التي ينجم عنها الاتساع التلقائي لآفاق إيحاءاتها ودلالاتها الممكنة .

في ( الصيف قبل الظلام ) توافق ( كيت براون ) على العمل كمترجمة في لجنة مؤتمر ترعاه منظمة الغذاء العالمية في الوقت الذي سيسافر فيه زوجها وأبنائها كل منهم في رحلات مختلفة خارج البلاد .. بعد تأجير منزل الأسرة لإحدى العائلات الزائرة بدأت ( كيت براون ) عملها الذي استمر لأسبوعين عُرض عليها في نهايتهما نتيجة مهاراتها الممتازة وما أظهرته خلال تلك الفترة من قدرة رائعة على المساعدة وتقديم النصائح المفيدة عُرض عليها الاستمرار في العمل لمدة شهر آخر وبمرتب أعلى ليس كمترجمة بل كمنظمة للمؤتمر الذي تسببت العديد من المشكلات في نقله إلى ( تركيا ) .

في ( اسطانبول ) تتعرف ( كيت ) على ( جيفري ) وهو شاب أميركي وسيم ومثقف يصغرها في السن بكثير ويقضي وقته في التجول في أوروبا فتقرر السفر معه إلى ( أسبانيا ) .. بعد ممارستهما للجنس في الفندق أصيب ( جيفري ) بحمى شديدة ظلت تلازمه طوال فترة تنقلهما بين المدن الأسبانية فكان على ( كيت ) أن ترعاه جيدا باستدعاء الطبيب حين يلزم الأمر وإعطاءه الدواء في مواعيده ومراقبة حالته الصحية العامة وهو نائم .. لكن حينما بدأت تشعر بأعراض المرض على جسدها أدركت ضرورة العودة إلى بيتها بعد أن نال التعب من قدرتها على رعاية ( جيفري ) ولو حتى بزيارته يوميا في الدير الذي نقل للعلاج فيه بعد تدهور حالته .

حين عادت ( كيت ) إلى لندن اضطرت للنزول في فندق لأن منزلها كان لا يزال في حوذة مستأجريه ثم قامت باسئجار غرفة في شقة خاصة لتشارك فتاة اسمها ( مورين ) العيش فيها .. ( مورين ) التي مرت بعدة علاقات فاشلة وتعاني من الاضطراب بسبب حبها لأكثر من شخص وعدم قدرتها على اختيار من ستتزوج به وأيضا عدم ثقتها في الزواج ذاته .. هذه الفتاة ستتبادل مع ( كيت ) قصص من حياتيهما خلال وجودهما معا وستشعر أنها تشبه أمها كثيرا بل وستتعامل معها أحيانا على هذا الأساس بالضبط مثلما ستشعر ( كيت ) أن ( مورين ) لا تختلف عن أبنائها في عاداتهم وطرق تفكيرهم وعلاقاتهم الخاصة وصلتهم بها كأم للدرجة التي ستجعلها تبوح لـ ( مورين ) في بعض الأوقات بما لا يمكن أن تبوح به لأبنائها وهذا ما ستفعله ( مورين ) أيضا التي كان وجود( كيت ) بالنسبة لها فرصة آمنة لمواجهة أمها أو الأمومة بشكل عام وفي نفس الوقت إشباع احتياجها لهذه الأمومة بطريقة مختلفة لم تتحقق مع أمها الحقيقية .

لم تتوقف ( كيت براون ) عن استرجاع حياتها طوال رحلتها بعيدا عن البيت كأن هذا الانفصال بمثابة فرصة لتأمل هذه الحياة التي تركتها خلفها ومراجعتها وإعادة اكتشافها من جديد .. الفرصة التي قد لا تتوفر كثيرا بينما تحاصرنا هذه الحياة بشكل عادي وتجبرنا على الخضوع والاستسلام للعيش بين أسوارها رغما عنا .. كانت ( كيت ) تستعيد تفاصيل وأحداث ومشاهد كثيرة ومختلفة من طفولتها وشبابها ومن حياتها مع زوجها وأبنائها وجيرانها وفي كثير من الأحيان يكون الدافع لهذه الاستعادة حدث واقعي تمر به ( كيت ) خلال رحلتها يستحضر على الفور ذكرى ما فيخلق الجدل بين اللحظة الآنية وبين اللحظة القديمة عند ( كيت ) مجالا مناسبا لتحليل وتشريح أفكارها ومشاعرها وعلاقاتها بالآخرين ورؤيتها الشخصية للحياة والبشر .

ربما ( دوريس ليسنج ) تريد أن تحفزنا على التفكير في أن الورطة التي تعتقل وجودنا بالكامل وتفرض علينا كل ما يلائمها وكل ما هو ضدنا من أدوار هذه الورطة ليست خاضعة لظروف حياتية معينة أو مشروطة بحيثيات وملابسات قد تحدث أو لا تحدث بل هي قدر لا يتنازل أو يتخلى عن مهمته تجاهنا أبدا مهما اختلفت الظروف والأحداث .. ( كيت براون ) ربة المنزل التي حينما حاولت أن تجرب ألا تكون زوجة وأم واصلت الحياة رغما عنها حتى وهي بعيدة عن بيتها كزوجة وأم أيضا .. قامت برعاية ( جيفري ) في مرضه و( مورين ) في محنتها النفسية والعاطفية .. كأن وظيفتها في العالم في هذا الوقت من عمرها يستحيل أن تتبدل مهما حاولت الانفصال أو التحرر منها لأن القدر قرر مسبقا كيف يجعل بطريقته كافة الكائنات والأشياء تتسق مع بعضها وأيضا تنسجم مع الزمن الذي يحملها من مرحلة لمرحلة ومن دور لدور داخل مهزلته الهائلة المستمرة .

( دوريس ليسنج ) لا تكتفي بذلك بل ربما تريد أن تخبرنا أيضا بأن هذه الورطة تزداد شراستها ووحشيتها في إثبات وترسيخ نفسها كلما كانت هناك محاولات للهروب أو الانفلات منها وهذا ما حدث مع ( كيت ) التي تأكدت أثناء رحلتها وتأملاتها وتفكيرها في حياتها السابقة أن خروجها من البيت لم يكن سوى مواجهة أكثر مباشرة وحدة مع الواقع الذي لن يتغير وكشف أكثر إيلاما للحقيقة التي جربت تفاديها فصارت أكثر يقينا وأشد حسما .

( الصيف قبل الظلام ) رواية تريدك أن تتأمل أفكارا كثيرة لكن أتصور أن أكثر هذه الأفكار استحقاقا وجدارة بالتأمل هي المعنى الملتبس والغامض الكامن في أن نأتي إلى الدنيا ومزروع بداخل كل منا فخ ملغز ومراوغ لا يهدأ ولا يتوقف أبدا عن إنجاب الأمنيات التي نتصور أنها حينما تتحقق ستصل بنا إلى الكمال أو على الأقل إلى الاقتراب منه ولكن نكتشف أن تحققها هذا ليس إلا تعميق متجدد لنقصاننا ولهشاشة وجودنا بكافة صراعاته وتمزقاته وتشوهاته المختلفة في الوقت الذي لا يتوقف فيه فخ الأمنيات بداخلنا عن تطوير نفسه كي يضمن دوام ارتباطنا والتصاقنا الإجباري بالعالم .


* * *

مجلة ( الروائي )

http://www.alrowaee.com/article.php?id=381

Sunday, March 22, 2009

جهاز تشغيل نفقي الأزهر يلقي بموظفي الهيئة القومية للأنفاق في الشارع

مهزلة جديدة من مهازل الفصل التعسفي شهدتها محافظة القاهرة بعد أن قام جهاز تشغيل نفقي الأزهر باستبعاد الموظفين المعينين من قِبل الهيئة القومية للأنفاق دون إبداء أي أسباب .. بداية المهزلة كانت مع طلب محافظ القاهرة عبد العظيم وزير بتسليم المحافظة نفقي الأزهر للسيارات من رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية للأنفاق وذلك بناء على توصية الجهاز المركزي للمحاسبات بنقل تبعية إدارة وتشغيل النفقين إلى محافظة القاهرة .. على هذا الأساس تم تشكيل لجنة عليا لتنفيذ عملية النقل .. هذه اللجنة وطبقا للمحضر النهائي لنتائج أعمالها أقرت بـ : 1ـ نقل العاملين الدائمين والمؤقتين المخصصين لنفقي الأزهر للسيارات من الهيئة القومية للأنفاق إلى محافظة القاهرة ونقل ملفاتهم ومخصصاتهم المالية .

2 ـ معاملة العاملين المنقولين بذات المعاملة المالية السابق معاملتهم بها وفقا للوائح هيئة الأنفاق لحين صدور لوائح جديدة للجهاز التابع لمحافظة القاهرة ككيان مستقل .

3 ـ استمرار الجهود المتعلقة باعتماد الهيكل التنظيمي المقترح وتثبيت العمالة المؤقتة وتدعيم مخصصاتهم المادية بما يتوافق مع ظروف الكيان الجديد من جانب محافظة القاهرة وبمعاونة الهيئة إذا طلب ذلك .

4 ـ إبرام محافظة القاهرة لعقود للعمالة المؤقتة للنفقين يبدأ سريانها من 1 / 7 / 2008 وتصرف مستحقاتها من المخصصات المالية المقررة دون تأخير .

ورغم هذه النتائج التي أقرتها اللجنة إلا أن جهاز تشغيل نفقي الأزهر لم يلتزم بها وقام بفصل الموظفين العاملين بالنفقين أثناء نقل إدارتهما لمحافظة القاهرة بلا أي سبب فألقى في الشارع كل من :

عقيد : أحمد بهلول / مشرف غرفة التحكم

محمد السيد محمد محمد / مراقب غرفة التحكم

ياسر صلاح / فني أعطال

عماد شعبان / فرد أمن

وذلك بالإضافة لثلاثة أفراد أمن آخرين تم إجبارهم على توقيع إخلاء طرف .

هذا الفصل التعسفي تم بعد ثلاث سنوات من العمل في النفقين لم يحوّل خلالها أي من هؤلاء الموظفون للتحقيق ولم يحصل أحدهم على أي جزاء بل وأن رئيس الهيئة القومية للأنفاق أكد في خطابه إلى محافظ القاهرة بخصوص نقل نفقي الأزهر للمحافظة بتاريخ 10 / 1 / 2008 أكد أن جميع الأطقم والأفراد الموجودين بالنفقين والقائمين بالتشغيل والصيانة قد تلقوا التدريب اللازم على الأعمال القائمين بها وتم تعيينهم سواء على درجات دائمة أو بعقود مؤقتة لحساب جهاز تشغيل نفقي الأزهر للسيارات ولكن عدم احترام كرامة الموظفين وحقوقهم وعدم مراعاة ظروفهم العائلية كمسؤلين عن أسر هو العادي بالفعل لأنهم لا يختلفون أبدا عن ضحايا أي مهزلة أخرى من مهازل الفصل التعسفي .. الإجراء التقليدي في مصر الذي لا يعتبر الموظفين أو العاملين بشرا بقدر ما هم أدوات تستخدم وتستبعد وفقا لمصالح البشر الحقيقيين ‍‍‍‍!!


* * *

صحيفة ( الأنوار )

22 / 3 / 2009