Tuesday, October 20, 2009

صدور كتاب ملتقى شعراء العامية

عن ملتقى شعراء العامية الذي عقد بالسويس مؤخرا صدر كتاب ( العامية كنز الإبداع ) .. يقع الكتاب في حوالي 150 صفحة ويضم قصائد ودراسات الملتقى التي من ضمنها دراستين لي الأولى عن ديوان ( خمر المسا .. حليب النهار ) لحمدي زيدان والثانية عن ديوان ( تخاريف خريف ) لمؤمن المحمدي

Thursday, October 15, 2009

كنت أظنه نائما


لأن الدنيا تتسرب من تحته
كحقنة ( كولاجين ) هائلة
تضمن لشيخ الفضائيات
حماية ابتسامته من التجاعيد
وهو يمضغ الدموع
المنهمرة من الـ
sms



أغنيات الأطفال القديمة لا تفرحني
ولا تجعلني يائسا تماما
هي تؤكد لي أكثر من أي شيء
أنه يعتبر الزمن مجرد تصور ذهني
لا يجب التسرع في التخلص منه
طالما لن يتمكن أحد من الهروب
ولن يفرغ مخزون الطائرات الورقية
المرتقة بأدعية الاستغفار
والذاهبة حتما إلى الجنة



الأشياء التي نصفها بالأحلام
ليست دليلا على يقين ما
كذلك الموسيقى التي تنساب من المقابر الجماعية
لتذكرنا طوال الوقت بأن نباتات الشرفة
لن يكون لضياعها أي خصوصية .
هو منطقي للغاية
لا تقنعه الانفعالات التي لم يجربها بنفسه
لذا لا وجود للحياة والموت
هناك فقط تجربة شيقة
تستحق تكاتف الجميع لإنجاحها



أكثر ما يؤلمني
ـ وأرجو ألا يُفهم من هذا أي سخرية ـ
أنه يعتقد أن حساباتي خاطئة جدا
أو بقدر من التسامح مبالغ فيها
وأستحق لذلك أن يعاديني جسدي بهذا الشكل
فعلا
كان يمكن لجسدي أن يكون بحال أفضل
لو كانت الدنيا تتسرب من تحتي
دون انتظار شيء
كأن أنام مع ( كيت وينسلت ) على الأقل
لولم ينبت لي جناحان




كنت أظنه نائما
لكنني أعرف الآن أنه ميت
أو مستيقظ فقط
ليقرأ قصائد النثر

يحق للشاعر / عقل العويط



ماذا تطلبون من الشاعر أن يكون، كي لا يصنَّف مجنوناً وممسوساً ومرعوباً، أو كي لا يساء الظن به، وبمواقفه، أو كي يُهتدى بكلماته، أو كي يصير ضميراً للوجدان العام؟ بل ما هي الصورة التي تريدون أن يكون عليها كي ينجح في الامتحان العمومي، وكي يكون إنساناً سوياً ومقبولاً ومعترفاً به، فتقع كلماته موقع الصدم الايجابي لا موقع العدم، من دون أن تكون الغاية من ذلك حصوله على "حظوة"، مادية أو معنوية، عند أحد، ولا عند الناس والمسؤولين والحكام، أفراداً أو جماعات؟

أشاعراً يكتب القصائد فقط، تريدونه أن يكون، أم نبياً مخلّصاً، أم محرّكاً للغرائز، أم ماشياً في مجرى النهر وفي ركاب السياسيين، أم متمرداً على القيم السياسية المتعارف عليها، أم مصلحاً اجتماعياً، أم ربّ عائلة آدمياً، أم محامياً يدافع عن القانون والحق والعدل والجمال؟ أم حكيماً عاقلاً، أم سياسياً محنّكاً، أم ممالئاً، أم متملقاً، أم مهادناً، أم ناظراً أعمى وأبكم، أم ساهراً على الشأن العام، أم بهلواناً قفّازاً على الحبال وبين الوهاد والجبال، أم رجل أعمال...؟

هذه الأسئلة لا تأتي من غيمة تأمل وإنما من نقاش هو مرآة لواقع ملموس، تمليه ظروف موضوعية عامة، معقدة، هي هذه التي تعيشها بلادنا، تحت وطأة الطرق المسدودة والأزمات المستعصية وحروب اليأس والموت المستديمة.

خلاصة هذا النقاش هي الأسئلة الآتية: هل "يحقّ" للشاعر أن يفاجىء الرأي العام بما لا ينتظره منه هذا الرأي العام؟ هل يحقّ له مثلاً أن يخالف - خاطئاً أم مصيباً - ما يرضي الرأي العام؟ هل يحقّ له أن يكون "يائساً"، أي أن لا يكون "متفائلاً" بأسلوب التعاطي الوطني والسياسي مع المشكلات المستديمة، وإن يكن منحازاً الى القيم نفسها التي يؤمن بها هذا الرأي العام؟ هل يحقّ له أن لا يعجبه العجب، وأن لا يقبل بالأسلوب المتبع، وبـ"أنصاف الحلول" أو "أرباعها"، على المستوى السياسي والوطني والقيمي و... الأخلاقي، وأن لا "يحترم" الحكّام والمسؤولين عن الشأن العام، والسياسيين، وأن لا يجد بينهم من "يستحق" التقريظ، أو غض النظر، وإن يكن هذا الشاعر في "الصف" نفسه الذي هم فيه؟ هل يحقّ له أن يكيل لهم النقد الجارح الذي، أحياناً، قد يتخطى "الحدود"؟ وهل يحقّ له أن يكون شاهراً لغضب أعمى، أياً تكن معطيات اللحظة التي ييأس فيها؟

هذه هي الأسئلة. وهي تنطوي على مسألة قد يكون فيها نظرٌ كثير بالنسبة الى الرأي العام، لكن فقط، إذا نُظِر اليها بمنظار الموازين "السياسية" البحتة، ومفاهيمها، ومعاييرها، والسبل الموضوعية التي "يتيحها" السياسيون للتعامل معها. أما سوى ذلك، أي، مثلاً، إذا نُظِر اليها بمنظار الشاعر، فلن يكون فيها نظرٌ كثير. لأنها مسألة رؤيا: بياض أو سواد، صح أو خطأ. وليس من مجال، في منظار هذه الرؤيا الشعرية المتخلصة من ربقة "الدنيويين" - وأعني هنا السياسيين والدائرين في أفلاكهم - لكي يلتقي الحق والباطل في "منتصف الطريق"، أو في الربع المتبقي، أو في غيره من الأمكنة.

وحده الشاعر، وأعني الخلاّق مطلقاً، ودون سواه من الناس المشتغلين بـ"الحياة" وبالشؤون العامة، يحقّ له ما لا يحقّ لغيره. وفي هذا المعنى حصراً، لا تطلبوا منه، ولا تطالبوه بأن يندرج في سياق، وأن يطبّل لأهله وللرأي العام وللعاملين فيه، وإن يكن مؤمناً بقيم هذا السياق وشعاراته.

وحده الشاعر، دون سواه، يستطيع أن يعامل العالم على طريقته الشخصية والخاصة، لا على طريقة أي كائن آخر. هذا القول ليس ملكاً حصرياً لي. قاله أرتور رامبو في أحد الأيام عندما تحدث عن "الخلاص" الحياتي، ثم ردده أندره بروتون في "مطلع الفجر". وهو قول موقوفٌ على الشعر، أي على الشعراء تحديداً، وكل الشعراء. وهؤلاء قد "يرون"، في لحظة ما، أو في اللحظات كلها، أن الغلط مستشر في كل مكان وفي كل شيء وفي كل شخص، وأن من طبيعة هذه الرؤيا التي يرونها، بل من "واجباتها" أن تعلن نفسها، وبعنف وجداني وبركاني، وأن ينادى بها، وعلى رؤوس الأشهاد، لعلها تنبّه الى الخطر، أو لعلها تصير وجداناً عاماً، او تطيش في فراغ فتصير هباء، أو تُرذَل وتموت.

لا يستطيع طبع الشاعر، ولا كلامه، أن يندرجا في سياق وشأن عامين، وإن كان الشاعر يتطرق اليهما، وينشغل بهما. "وظيفته"، إذا تحدث عن السياق والشأن العامين، أن يقول ما لا يحقّ لغيره أن يقوله، أو ما لا يتجاسر غيره على قوله، بهذه الطريقة أو تلك. وأن يقول ذلك على طريقته الشخصية، وإن جارحة وفظة وعدوانية ويائسة. هذا هو "حقّه"، الذي لا ينص عليه أي قانون سوى "القانون" الشعري، الخارج على كل قانون.

والشاعر لن يضيّع البوصلة. لأن أقداره لا تستطيع أن تضيّع "مكان" الحرية، ولا قيم الاستقلال والتمرد والثورة والبروق. الشاعر، مطالَبٌ بأن يعي حقوقه وأقداره هذه، التي ليس لباقي الناس، ربما، أن يقبلوا بها، أو أن يعوها، وأن يعملوا بها. وهو مطالَبٌ، في ساعات كهذه، وهي "ساعات الشدة"، الوجودية والمصيرية والوطنية، وأكثر من أي وقت مضى، بأن يكون ما لا يستطيع - أو ما لا يريده - سواه أن يكونه. وهو معنيّ حتماً بـ"الخلاص"، لكن ليس على طريقة السياسيين أو المحللين أو الحكماء أو المحامين أو الجامعيين أو أرباب المال أو أصحاب المصالح. هو معنيّ حتماً بـ"الخلاص" انطلاقاً من كونه "شاعراً" لا من كونه محللاً سياسياً أو زعيماً وقائداً او "منقذاً وطنياً". وهذا يملي عليه أن يواصل بحثه اليائس عن كل ذرة شعاع وأمل. بل هو معنيّ بهذا النوع من "الخلاص"، وإن بدا أحياناً انه مستحيل.

... هكذا، وهنا، وفي هذه المسألة بالذات، يحقّ للشاعر ما لا يحقّ لغيره.

* * *

ملحق النهار
الأحد 19 آذار 2006

Monday, October 05, 2009

قلت لها أن هذه لم تعد وردة


لازلتِ جالسة على رصيف
( Love Street )
لكن ما يفصلني عنكِ ليس العشر دقائق التي يجب أن يستغرقها التاكسي من ( الجوازات ) إلى ( جامعة المنصورة )
بيننا عشر سنوات مرّت
كشكّة دبوس استبدلت الدنيا بأخرى
وتركت لنا حرية التأويل
المحصنة ضد اكتشاف لحظة التنوير في الكوميديا
كما أنها غير كافية لصنع آلة زمن
يتناسب عدم احترامها لمنطق الفناء
مع رجوعها بموتنا المشترك إلى لحظة المرض الأولى
وإعطاءها مقادير غيبية
لطهي العالم من جديد
وجعل فيلم الخيال العلمي
أكثر إثارة .


السماء تعتبرني لقيطا
فهمت هذا حين رأيتها تعامل الأطفال في الشارع كأبناء
وتتركهم يلعبون ( البلي ) بحرية تحت شرفة طفل
أجبرته أمه على الاكتفاء بالفرجة عليهم
وتقليد ضوضاءهم المرحة بينما يتخيلهم يشاركونه اللعب داخل حجرته المغلقة
السماء تسخر من اللقطاء
تترك أحدهم يفرح بسماح أمه له باللعب مع الأطفال لمرة وحيدة
ثم ترسل ابتسامة ساخرة إلى وجه الأم لتستقبل بها سعادته المطفأة
وحسرته على خسارة كل ( البلي ) الذي ظل يجمعه طويلا .


المقهى مكان جيد للتفكير في أن السماء لم تتبرأ منك وحدك
وأن الألم لا يكمن تحديدا في الجروح التي تحفرها المعجزات
وإنما في اللحظة التي تبدأ معها في تضليل يقينك به
لتعيد تثبيت الثقة في الأم التي لا يمكن أن تطرد أحدا من رحمتها
أنا أكره المقهى
بدقة أكثر أكره احتياجي للجلوس الشبه يومي إلى هذه الطاولة
أستطيع أن أستنتج متعتها وهي تراقب من وراء حيادها الصامت
انتظاري الهزلي لأن يفهم الآخرون كيف يحبونني
هنا يمكنني تعريف الوحدة
بالأيام والشهور والسنوات التي مرت
دون أن يتحدث معك أحد عن الدفء الحميمي لديكورات بيوت الريفيين وأبناء الطبقى الوسطى في دراما الثمانينيات مثلا ...
بالأيام والشهور والسنوات التي مرت
دون أن تقنع الآخرين بوجود أرواح شريرة
تسكن أي لغة يمكن استخدامها في الحب .


ما فهمتيه صحيح جدا
الذي كان جالسا بجوارك على رصيف
( Love Street )
هو نفسه الذي ذهب معكِ إلى بيت ( الجوازات )
كي يشاركك لعب ( البانتومايم ) يوميا
أنا فقط أخلو من الملائكة التي كنت أحقن قلبكِ بها
لأطمئنك بأن الحياة مكان آمن لنا .
نحن لم نخسر كل شيء
على الأقل يمكننا أن نبتسم في وجه البشر بين حين وآخر
كرجفات منسجمة تنظر في المرايا
وقادرة على اكتشاف السحر الكامن في الخيانات المبررة طبعا
يمكننا أن نسير في الشوارع بذراعين متعانقين
وحداد مكتوم
كأسرة سعيدة تتخلص من أحلامها تلقائيا
عبر مواسير الصرف الصحي
وتستعد لترك ذكرى طيبة
عن الملائكة التي مهما تخلص الأحبة السابقون منها
لا تتعب من حماية الحكمة
وإكمال الجلطة بهدوء

Here's That Rainy Day (Frank Sinatra)

Thursday, October 01, 2009

فاطمة فتح الله و ممدوح رزق .. شاعران بقلب واحد / رحاب حسين الصائغ


موجات الفكر تجذر الأحلام

يدفع البحث في غرف خيال الشعراء (مرأة/ رجل) العثور علي قصيدة عذراء تعيش ليل اصفر، ربما نجدها محنطة بجمرات من نار، فيأخذني باطن ذاكرتي المغلف بشوق لإحتضان تلك القصيدة، بابتسامات لها علق جميل يسكر وجه العالم، أما موجات الفكر بلحظاتها الحية المفعمة بلحظات السكون، يشدها حبل عير مسافات الجذر، ارجوحته الارض ومخيلة طموحاتها لها وقع اقدام ثقلية في حب الارض, صاحبتني بهجة بلورية وانا اقرأ قصيدة الشاعرة فاطمة فتح الله الحجاج (تمخض حزناً) وقصيدة الشاعر ممدوح رزق (رجل وامرأة متعانقان في سعادة كخلفية لشاشة الكومبيوتر). فاطمة فتح الله، وقصيدتها " قانا الجرح النازف " بما تصبه صباً من تاثيرات وقعت في نفسها من خلال مشاعر عاشتها تجاه قانا الجرح النازف، وما انتزعته من حلم السلام، باحثة عن تجدد أطياف الحلم في الحلم نفسه، والشاعر ممدوح رزق، قام بعرض بطيء للتخلص من نفاية الحزن، يجر نفسه جر الباحث عن ظل سميك يحمي رصيف خطواته التي اصبحت أقرب الي فقدان الطريق، ورصيف شعوره الذي تسرب فجأةً مع كل خطوة نحو سماء غامت وابتلعت الشمس، فسرت أقفال افكاره الي نافذة التفوق في النهاية لجواب استحكم لكمات الواقع المر. الشاعرة فاطمة في تأني جميل ومؤثر تنشر سمات الحلم بذائقة شعرية ناصعة، وصوت خيم علي حجب الواقع المؤلم ممسكة بالأصالة، تعابيرها الجمالية واستنطاقاتها تشد حروفها نحو سماء الكلمة المعبرة والموثقة، انها تريد انجاز الحلم، ومصرة علي ايجاده بكل الوسائل، بقولها:
لم يغمض لي جفن منذ ليلة البارحة..
وأنا اري اشرعة حلمي تتكسر امام ناظري بكل قسوة..
بعدها كانت تداعب مخيلتي؛؛ وتتهادي مع ستار نافذتي..
. . .وهاجر كما تهاجر طيور النورس عن شاطئ المتوسط
..
كان حلمي ان يعم السلام..
في بداية القصيدة تذكر انها لم يغمض لها جفن، وانها تري اشرعة حلمها تتكسر امام ناظرها وبكل قسوة، فاطمة لا تعرف النوم ونسمات التفكير تسري وتجوب في هدأت الليالي خيالاتها، تحاول ان تلامس الانبثاق الآتي من حسها ومشاعرها، وتحرق مضجعها ساعات وساعات، وتزيد من قولها:
وانا اسمع زغردة أمي عقب الانتصار..
وإلاّ تندثر تحت الركام ..
أحلم بأن اكون أملاّ..
شمعة ..
قنديل.
. وبينما كان حلمي يرسم ابتسامة الغد علي شفتي اهتزت الارض من تحتي واهتز الكون بكامله من فوقي
و....
في قصيدتها لا عشق للرمزية، بل كل ما يحمله الواقع من احساس حاد في حاضره، ان الشاعرة فاطمة تجول بكل حيوية في سماء الحدث وباتجاه الشعر ووظيفته الفكرية، دقائق الحياة تتمزق بتفاعل غريب وصريح في وضح النهار، بعشق تعزف ايقاعات الكلمة والمتآلف من الامل في شق اخدود الحلم وباشتهاء تتفتق عندها حنجرة الالم، كغيرها تعبر عن ما يجول في نفسها ونفس كل انسان عربي حر متالم لواقع يعيشه شعب بل شعوب تحت عنوان الحرب وما يأتي هذا المسمي من عذاب علي تلك الشعوب دون رحمة، وقضية البحث عن التحرر مسألة مهمة عندهم ودوافعهم انسانية، ولكن الاطماع وسيادة مصالح البعض والخاصة من ذوي السلطة هم من يؤخر ارادة الشعب في تحقيق طموحاته، والشاعرة فاطمة تؤكد علي هذه النقاط، حيث تقول:
لا اعلم لم اعي شيئاً..
فبوحي هنا .. متقطع.. متناثر كما في نفسي.
.وحروفي باهتة كما هو جسدي..
ولمن لا يحتمل اطنابي ..
ولا يحتمل ان يلامس بوحي لآخر قطرة..
اقول: لا تنظر لرفاتي..
ولكن انزف معي..
تحسس جرحي..
ألمي..
ومعاناتي.
.وتمخض حزناً
..ابدعت فاطمة فتح الله الحجاج، في القصيدة والمقطع الذي تقول فيه: (فكل اطفال العالم يولدون في اوطانهم إلاَّ اطفال فلسطين ولبنان، فيولد الوطن فيهم..)
كم رائع وجميل بوحها وصادق ويحمل التركيز المهم علي اصل القضية والبحث في مضمونها، انه قول حق ودائماً في رأيي ان المرأة قادرة علي التركيز بدقة من خلال مجهرها الحساس تجاه كل قضية وموقف، واجد اروع ما كتب في حق الطفل العربي المسلوب كل ما له الحق فيه، حق الولادة في وطنه جذره، كانها تقول : كيف سينمو تفكيره تجاه امر مهم لم يجد لذة الاحساس بالحلم الوطن، وكثيرا ما يحمل جنسية وطن آخر، هو ما لمحت له واشارت اليه الشاعرة فاطمة، بهذا المقطع الرائع حقا انها مبدعة وخلاقة في رسم جمالية الكلمة وحفظها في مكانها اللائق، حيث تقول: تذكروا صورتي.. معاناتي.. قطرات دمي.. شهقاتي وانا تحت الركام..تذكروا دمعة أمي.. وانين ارضي.. تذكروا طفلا تحت الركام.. لم احمل رشاشاً ولا حتي قلماً..كل جرحيهو اني حملت هوية لبناني..الشاعرة فطمة قدمت بحق صورة كاملة عن معاناة الانسان المستلب الحق والفرق بين ما يعيشه طفل في وطن مجروح وطفل يعيش في وطن تعرف عصافيره مقر سكناهبلا خوف يصادق زقزقتها وهي تغرد صباحا، المرأة الشاعرة متمكنة من تصويب عدسات كاميرتها علي مواطن الالم وعلي فك نسيج خشن، لما يعيش العلم العربي من احداث لا يعقل ان تدوم مع انها اصبحت مثلبة علي العرب نفسهم.
اما الشاعر ممدوح رزق وقصيدة (رجل والمراة متعانقان في سعادة كخلفية لشاشة الكوميبوتر) يدمج دائرة استقباله للقصيدة بصورة من الواقع الحاضر لحياة العربي، وما يستخلف منها علي الحاضر المعاش, وصور التقليد الظاهرة لهذه الصورة المنقولة وتاثيرها علي مجتمعنا، يدخل الشاعر من ثقب ابرة الي اللغة الشعرية ولكن كأنها صورة من صور القص، بكثافة متمكنة وحديثة، كفعل اليوت في اليباب، وهذه القصيدة وجهها مختلف، خاض جنسين ادبيين مدمجا المرأة والرجل بهذا الوضع، خلق قصيدة ماهيتها تحمل نوع من القنص المعروف وتخصص بنبض من التمايز في الجديد في شعره، ليجعل القارئ امام مشاهد كانها من فلم سينمائي، واظهار صورة القلق المنتشر في حياتنا الاجتماعية بين ما نريد وبين ما هو حاصل، صورة المرأة والرجل تحمل الوضع المستلب، ودائما هم غير قادرين علي اتخاذ قرار اتجاه جيلين هما الوسط بينهما، يثبت تلك الصورة في اللامرئي من الوضع العام، ممدوح رزق جرد الجسد من مشاعره واهتم بالمرأة اكثر، كونها مصدر الانوثة وان فقدتها المجتمع تجردت الحياة وافتقرت الي كثير من خصوصيتها، اما الرجل ان فقد مشاعره الحقيقية تجاه امور كثيرة ومنها القوة، وشعر بانه مستلب بصورة غير مباشرة، انعكس كل تصرفه علي محيطه، لكنه ركز علي نقطة مهمة وهي الانجاب وفي اعتقاده انهما يحملان رمز الانجاب وهي حالة ضرورية لدورهما الوجودي، لأنها حالة تمثل الارض والطموح، لهذا كان من منظوره ان المرأة هي الاهم في تقويم المجتمع ان ساندها الرجل بعقل وثقة، حيث يقول:
هل تنازلت عن مشروعك الرومانسي؟
لماذا توقفت عن طلب " الكلمات الجميلة "
واليد الحانية التي تربت فوق كتفك
عندما تجلسين صامتة وتفكرين بالالم؟
كيف اصبحت تعيشين هكذا
دون: " مارايك لو اخذنا كرسيين الي الشرفة ونشرب الشاي معا؟!"
. . .لماذا اصبحت تكتفين ب(تصبح علي خير) خاطفة روتينية فارغة
دون القبلة التي كانت لابد وان تكون اخر علاقتك اليومية باليقظة
الشاعر ممدوح رزق كانه يريد ان يعالج حالة سيكولوجية عند المرأة، يحدثنا عن وحدتها عن تقلبات افكارها، مع انه في قرار نفسه يطمح ان تكون اكثر قوة، وقابلية في البحث عن نفسها، وان تحاول خلق ثنائية بظهورها واهتماماتها، اما مظهرها الذي تتعب جدا بالاهتمام في ابرازه ومحاولة قتل وقتها في امور هناك كثير افضل منها لو اعطتها مساحة من جهدها، او متابعة اشياء تحلم ان تكون بها محط انظار، الشاعر فطن ويجد معاناة المرأة شيء مرتبط بالمجتمع الضارب كل حقوقها ومشاعرها، لذا وضع صور معانتها بنوع من الجدية في الطرح، الشاعر يحسها ويريد ابراز خطوطها البيضاء وليس العيش علي هامش الحياة، كدمية عبر نافذة، بقوله:
بصفقتك غريبة جدا كما يعتبرك ابناء الدنيا
هل اصبحت مقتنعة بهذا الاغتراب
الذي لا يجعل منك سوي مجرد شيء ما يعبر
لا يحق له اكثر من ذلك
اما القصيدة الثانية (عرض بطئ للتخلص من نفاية) فهي لا تختلف في شيء عن سابقتها، فهي تدخل في المباشرة ولغتها ليس ببعيدة عن نوع القص، ولكن ما يشد القارئ هي تلك اللغة والصورة الحديثة التي يباغت بها الشاعر قارئه، بطرح الفكر وصياغة المضمون، واعطاء حالة الثنائية في معاناة التي تعيشها المرأة من الوحدة والاهمال المتعمد في المجتمع، وخاصة المرأة التي تعاني الوحدة، كالارملة او العانس، ومما ينعكس علي مشاعرها المكبوته، بقوله:
ما عادت تفتح شرفتها
ربما صدقت اخيرا
ان السحب ستظل عالية
وان واحدة منها علي الاقل
لن يلفت اتنباهها تلك الشرفة المفتوحة دائماً
ممدوح شاعر لا يحب التقليد والتقيد فيما يود طرحه، وإلاَّ لما شد انتباهه المرأة التي تعيش وهم الانتظار والامل المزروع في مخيلتها، واراد ان يقدم صورة عن صنم الفكرة التي تحتوي المرأة، ولا بد من وجود حالة كي تتخلص منها وتحطم صنم الانتظار الفارغ هذا.
قدمت الشاعرة فاطمة فتح الله الحجاج، والشاعر ممدوح رزق، رغبتهما في خلق الوعي عند الانسان العربي ومجتمعه عامة، تجاه الوطن والطفل والمرأة لأنهم اساس الوجوده لأي مجتمع مدني متحضر، أرض مستلبة وطفل مستلب والمرأة مستلبة، فلا وطن بدون ارض ولا امرأة بدون حب ولا طفل بدون مستقبل، ما قدمته الشاعرة فاطمة والشاعر ممدوح، وما تزودا بظلاله من اللغة، والاشتباهات تجاه الوطن والطفل والمرأة، وبنفس الحضور في الابداع والتركيز علي نقاط مهمة، بين حضور الرمز وعدمه لوجود ضمان التفاعل الشعري، وخلق صور جمالية ملائمة لما يحمل المضمون، وما تتعرض له المرأة والطفل والارض من استلاب مستمر يعيق التقدم المطلوب، والبحث عن الطمانينة والحنان ولألئ منغمسة بالمحبة، رغم اختلاف المضون في القصيدتين ولكن هما انجازا شيئا مهم في بوحهما الشعري، وكان تسليط واعي ومهم عند الشاعرة فاطمة والشاعر ممدوح، واستحكما في اخراج لغة شعرية تحمل ألق رائع بما اجادا من غرف البوح برقة وجمال متناهي في خلق انيق منبعث من صميم الحياة وتفاعلها اليومي.
* * *
الزمان
29 / 9 / 2009

” ايروس في الرواية ” لماريو بارغاس يوسا : حين تعبر الرواية عن روح عصرها…/ نورالدين محقق

في ترجمة عربية أنيقة وغاية في الإبداعية صدر للكاتب والروائي العالمي المعروف ماريو بارغاس يوسا ، كتابا نقديا حول الفن الروائي ، قام بترجمته الكاتب والمترجم التونسي المعروف وليد سليمان .وقد حبذ المترجم ، وقد أحسن في ذلك وأجاد، منح هذا الكتاب عنوانا جديدا هو ” ايروس في الرواية ” بما أن كل فصوله تتحدث عن المنحى الايروسي المتواجد بشكل أو بآخر في الروايات المدروسة ، عوض عنوانه الأصلي الذي هو ” حقيقة الأكاذيب” . ذلك أن هذا العنوان الجديد يمتلك جاذبية قوية بالنسبة للمتلقي، سواء في بعده الأدبي أو الفلسفي معا، كما أنه يحافظ بالإضافة إلى ذلك على حقيقة المتخيل الأدبي المطروح فيها أيضا. وهو ما أوضحه المترجم حين أعلن في مقدمة هذا الكتاب ما يلي ” أول رابط بين نصوص هذا الكتاب هو تناولها روايات مهمة كتبت خلال القرن العشرين وتميزت بقيمتها الأدبية المؤكدة. إلا أن طغيان الجانب الايروسي جعل صدور هذه الأعمال يترافق مع فضيحة أو ضجة. والرابط الثاني بينها أنها نصوص احتفظت براهنيتها في ذاكرة الإنسانية كأعمال خالدة لا غنى عنها لأي مثقف يريد الاطلاع على أهم ابتكارات الخيال الإنساني.” . مما يدل على أن عملية اختيار هذا الكتاب من لدن الكاتب والمترجم وليد سليمان والقيام بترجمته إلى اللغة العربية كانت عملية مدروسة ومحكمة ، فالمترجم قد أراد من عمله هذا أن يمنح للقارئ العربي فرصتين جميلتين ، أولاهما تتمثل في تقديم رؤية نقدية لكاتب عالمي معروف بسعة أفقه حول أهم الروايات التي أثرت في مساره من جهة ، وكيفية تناوله النقدي لها، خصوصا وهو الخبير بها وبأجوائها المتعددة ، وثانيهما تقديم دعوة للقارئ العربي للاطلاع على بعض أهم الروايات العالمية التي أثرت في المخيال الروائي العالمي ودفعت به نحو آفاق جديدة .
يتكون الكتاب في ترجمته العربية هاته من تقديم للكاتب ماريو بارغاس يوسا ، خص به الطبعة العربية ، وهي بادرة جديرة للتنويه ، أوضح فيها سعادته بهذه الترجمة التي ستحمل آراءه إلى قراء جدد بالنسبة إليه، ومن تقديم آخر للمترجم أوضح فيه أهمية الكتاب والسمعة الأدبي الكبيرة التي يحظى بها صاحبه . لتتوالى بعد ذلك فصول الكتاب . كل فصل منها يختص بمقاربة نقدية مفتوحة لرواية من الروايات العالمية التي أعجب بها الكاتب ، محددا من خلال عملية مقاربتها هاته الأهمية الكبرى التي حظيت بها لدى صدورها والأسباب الكامنة وراء هذه الحظوة سواء على مستوى التيمة التي تطرحها ، والتي ترتبط كما أسلفنا بشكل من الأشكال بالجانب الايروسي من جهة والقدرة الفاتنة على التعبير عن روح عصرها من جهة أخرى ، مما يجعلها تحتوي كل الروايات التي صدرت وتناولت نفس موضوعها ، ومن جهة أخرى يتوقف عند أسرار الكتابة الروائية التي صيغت بها ، مبينا مدى التجديد الحاصل فيها ، ومدى الإضافات التقنية التي تحققت فيها . هكذا نجده يتحدث في الفصل الأول عن رواية ” الموت في البندقية” لتوماس مان ، مبينا قدرة الرمز الفني الذي تعبر عنه والمتمثل عبر مسارات الحكاية في الهاوية المنغرسة في النفس البشرية و الملأى ” بالعنف والرغبات و الاستيهامات المفاجئة والمثيرة للحماس ، والتي لا نعي وجودها عموما إلا من خلال تجارب خاصة تكشف عنها في بعض المناسبات مذكرة إيانا بأنها تبقى جزءا لا يتجزأ من الطبع الإنساني “. وفي الفصل الثاني يقدم لنا الكاتب رواية ” المحراب” لوليام فوكنر، قائلا عنها ما يلي ” في الحقيقة ، تعتبر رواية -المحراب- من الروائع التي كتبها فوكنر وتستحق أن تدرج ، بعد -ضياء أغسطس- و -أبسالوم ! أبسالوم ! - ، ضمن أفضل روايات سلسلة يوكناباتاوفا .” ليقوم الكاتب بعد ذلك بتوضيح هذا الحكم الأدبي بأدلة مستقاة من الرواية سواء على مستوى الموضوع الكلي الذي تطرحه أو على مستوى تقنية الكتابة فيها.لينتقل في الفصل الثالث للحديث عن رواية ” مدار السرطان” لهنري ميلر بإعجاب كبير ، وهو أمر جدير بالثناء ، ذلك أن الكاتب هنا في كتابه هذا ، يغوص في ثنايا الروايات التي يقرؤها ، و يستمتع بالأجواء التي تقدمها ، وبعد ذلك يوضح للقارئ مدى سعة وجمالية هذه الأجواء . يقول مثلا عن رواية ” مدار السرطان ” هاته مايلي ” أعدت الآن قراءة هذه الرواية بمتعة حقيقية. وقد خفف الزمن و أخلاق عصرنا الرديئة من عنفها ومما كان أقرب إلى الجرأة البلاغية” ليخلص في نهاية مقاربته لها إلى القول عنها ما يلي : ” الكتاب جميل وفلسفته، رغم سذاجتها، مؤثرة. ” .
هكذا نلاحظ أن الكاتب والروائي العالمي المعروف ماريو بارغاس يوسا يتابع تناوله لباقي الروايات المقدمة في هذا الكتاب النقدي الرائع وهي ” حسناء من روما” لألبرتو مورافيا” و ” لوليتا” لفلاديمير نابوكوف ، أحد أشهر الروايات العالمية على الإطلاق، و ” بيت الجميلات النائمات” لياسوناري كاواباتا و” المفكرة الذهبية” لدوريس ليسنغ ، بنفس التحليل الذاتي الممتزج بعمق ثقافي عميق وبرؤية موضوعية تتبنى موضعة الرواية المدروسة في إطارها التاريخي العام الذي صدرت فيه والتأثيرات القوية التي مارستها على الفن الروائي في كليته وما خلفته من صدى حولها خصوصا وهي تخترق طابو الجنس مقدمة إياه في إطار روائي منفتح على الذات والعالم في ذات الآن ، وما أثارته في نفس الكاتب أيضا من إعجاب وتساؤلات باعتباره قارئا نهما للروايات وخبيرا كبيرا بالسرد الروائي العالمي . ومما زاد من متعة قراءة هذا الكتاب العميق ، القوي في أطروحاته الأدبية والفكرية المتعلقة بالروايات التي يقدمها ، هو كون الترجمة التي أنجزت له في اللغة العربية ، هي ترجمة تتمتع بجمالية أدبية رفيعة وبحس منفتح استطاع الحفاظ على أطروحات الكاتب والحرص على تقديمها بشكل أدبي رائع.
* * *
* ” ايروس في الرواية” لماريو بارغاس يوسا ، ترجمة وليد سليمان .طبع شركة وليدوف الدولية ، سلسلة ديدالوس .الطبعة الأولى 2009
* * *
دروب
31 أغسطس
2009

Sunday, September 27, 2009

صناعة الرواية بطريقة عباس العبد

ما الذي يجعلني أكتب عن ( أن تكون عباس العبد ) الآن ؟ .. ربما السؤال نفسه ليس بحاجة للطرح من الأساس باعتبار أن الكتابة ـ في ظني ـ تأتي دائما في موعدها الصحيح مهما بدا الأمر مخالفا لذلك وربما يكون ما كتبه ( أحمد الفخراني ) عن ( أحمد العايدي ) مؤخرا هو السبب .. قبل أن اقرأ هذه الرواية للمرة الأولى تابعت بفضول واستغراب كبيرين ما أتيح لي مصادفته من الاحتفاء الهائل بالرواية وكاتبها والذي لم يسبق أن حصل عليه في رأيي أي ( كاتب شاب ) من قبل .. تفاصيل هذا الاحتفاء كانت قادرة بشكل ما على تحفيز استنتاجاتي لتكوين أفكار وانطباعات تفسيرية عامة له وشكّلت في الوقت ذاته مدخلا مهما لقراءة الرواية .. الآن ينبغي أن أقول أنني لم أقرأ ( أن تكون عباس العبد ) مرة واحدة بل عدة مرات وأنني في كل مرة كنت أشعر بضرورة أن أكتب عنها ولكنني لم أفعل وبالطبع أنا أعرف الأسباب .. ( ما الذي سيبقى من ( أن تكون عباس العبد ) لو أخليناها من ( نادي القتال ) ) ؟ .. سؤال كان يظهر على استحياء بصيغ مختلفة في موقع هنا ومدونة هناك كهمسات جانبية في فرح صاخب .. الهدف من السؤال لم يكن الاستفهام طبعا بقدر ما كان توضيحا وتذكيرا بما يمثله الهيكل العظمي بالنسبة للجسم !! .. بالمناسبة ينبغي أن أقول أيضا أن هذا السؤال كان المفتتح الثابت لكلامي حينما كان يطلب مني أحد الأصدقاء معرفة رأيي في ( أن تكون عباس العبد ) .. من الواضح أنه لم يكن سؤالا مهما عند من أحب الرواية واحتفل بها ودافع عنها سواء كان واثقا أن ( نادي القتال ) كانت بمثابة ( الهيكل العظمي ) للرواية فعلا أم أن المسألة برمتها لا تعدو أكثر من استخدام كاتبين ( بولانيك ) و( العايدي ) لتيمة واحدة متاحة للجميع ولكافة طرق المعالجة المختلفة .. أتصور أنني أيضا كنت في حاجة للتخلص من أهمية هذا السؤال حتى أتمكن من الكتابة عنها ، وبما أنني أكتب الآن عن ( أن تكون عباس العبد ) فهذا يعني بالضرورة أن هذا السؤال لم يعد مهما بالنسبة لي وأن أحد الأسباب التي كانت تدفعني لتأجيل الكتابة عن هذه الرواية قد تم التخلص منه مع التأكيد على اقتناعي التام بأن ما يفرق بين ( أن تكون عباس العبد ) و( نادي القتال ) هو الجلد الخارجي فقط .

ما قام به ( أحمد العايدي ) في ( أن تكون عباس العبد ) لم يكن سهلا أو عاديا .. كان توظيفا فذا وغير مسبوق لأبجدية الشارع الألفيني وتحكما وتطويرا فائق الحساسية والبراعة والذكاء للقاموس الشفاهي الذي أنتجته الثقافة الشعبية مؤخرا والذي أصبح بمثابة اللغة الرسمية لمانفيستو المراهقين الراهن .. ( أسطورة العايدي التي شكلتها موجات قراء وسط البلد وكتبته بعد ذلك ) هكذا فهم ( أحمد الفخراني ) ( نجومية ) العايدي وروايته التي يراها ـ من وجهة نظره ـ ( محدودة القيمة ) واتفاقا مع ( الفخراني ) دعوني أوثق أنه بالتوازي مع اقتناعي بأن ما قام به ( العايدي ) لم يكن سهلا أو عاديا فإن ( أن تكون عباس العبد ) لم يتجاوز تأثيرها بداخلي التأثير الذي من الممكن أن تحدثه أي رواية شعاراتية طافحة بالاستعراض الميلودرامي الذي قامت عليه معظم أفلام الأبيض والأسود والذي يمكنك العثور عليه بأشكال أخرى في كتابات ( علاء الأسواني ) مثلا .. مضطر للعودة إلى ( نادي القتال ) ليس تخليا عن عدم أهمية علاقتها بـ ( أن تكون عباس العبد ) وإنما لرغبتي في استعمالها كممر يقودني نحو الفرق بين ( صناعة الرواية ) و( كتابة الرواية ) .. هل هذا الفرق موجود حقا ؟ .. من الجائز نعم ولكن من المؤكد أنها مسألة شخصية بحتة ترجع أسبابها أولا وأخيرا لمن يؤمن باختلاف الأداءين وعلى هذا فإنني لا أطمح لاستدراج مبررات أو سمات تفرقتي بين ( صناعة الرواية ) و( كتابة الرواية ) نحو شرك التعميم كي تكتسب بداهة هشة بوصفها حقيقة .. هل كانت ( أن تكون عباس العبد ) ( تمصيرا ) مرعبا لـ ( نادي القتال ) ؟ .. ربما وأضيف بأنه إذا كنت أميل لهذه الفكرة فسأقول بأنه ليس مرعبا فحسب بل وإجراميا أيضا ولكن بالنسبة لمن ؟ .. بالدرجة الأولى لمن لم يقرأ ( نادي القتال ) وهو أمر بديهي باعتبار النسخة الأصلية غير متدخلة لإفساد متعة القراءة المجردة لـ ( أن تكون عباس العبد ) وثانيا لمن قرأ ( نادي القتال ) ولكنه لا يتوقف كثيرا عند سلبيات ( التمصير ) أو بمعنى أدق المشاكل الناجمة عن الاحتفاظ بالهيكل وتغيير الجلد الخارجي .. بالنسبة لي تبدو ( نادي القتال ) متخلصة من شعارات ( أن تكون عباس العبد ) واستعراضاتها الميلودرامية وكذلك من ( الصراخ ) النفسي الفقير المفتقد للقدرة على خلق الجدل والتحريض على الاشتباك مع ما بين السطور وكذلك اكتشاف القلق المتربص وراء المشاهد والأحداث والانفعالات وبناء على هذا فإن ما نجح فيه ( أحمد العايدي ) هو ( صناعة ) رواية توفرت لها من مقومات النجاح التجاري والرواج الشبابي ما لم يتوفر في رواية أخرى حتى الآن .. فقط .

هناك نقطة أختلف فيها مع ( أحمد الفخراني ) وهي أنه لا يمكنني وضع ( أحمد العايدي ) في خانة واحدة مع ( محمد صلاح العزب ) و( طارق إمام ) مثلا على أساس انتماءهما للجيل الذي فتحت ( أن تكون عباس العبد ) الباب أمامه كي يكتب روايته الخاصة بمنطقه الخاص بحسب تعبير ( الفخراني ) .. منجز ( أحمد العايدي ) في اعتقادي هو تفجيره لماسورة الكتابة الساخرة في مصر خلال السنوات الأخيرة والتي أغرقت الساحة الأدبية بسيل لم ينقطع حتى الآن بل ومتزايد بضراوة من الكتب والمدونات سهلة التحضير وبأتفه مكونات الاستظراف والاستهبال وهذا ما يجعلها بعيدة للغاية عن الوصول للقيمة التي حققها ( أحمد العايدي ) كما أراها وهي تحويله ( الإفيهات ) و( الأكليشيهات ) الدارجة والمتداولة إلى ( موتيفات ) غاية في الثراء والتي نجح باقتدار في توليد جمالياتها بسخاء مدهش واللعب بدهاء مبهر باشتقاقاتها وتراكيبها اللغوية وتسخير إمكانياتها لخدمة مهاراته الاستثنائية في الابتكار بصرف النظر عن سطحية ما يتحدث عنه أصلا .

( أعتقد أن العايدي في حاجة إلى التعمق أكثر في ذاته قارئا ومتأملا قبل أن يصدر كتابا ، يصدر كل يوم ما هو أقل قيمة من من ديوان العايدي لكني تعاملت معه بما يليق باسم العايدي الذي يتصدر المشهد باندهاش من أن كل ذلك الصدى والرنين لا يحمل عمقا يستحق الذكر ) .. لماذا كان ( الفخراني ) وهو ينهي مقاله عن ( العايدي ) يفترض هكذا أن ( الصدى والرنين ) يجب أن يحمل ( عمقا ) ؟! .. لماذا أفترض أنا أيضا هذا الافتراض كثيرا وكأن ما أعرفه عن الحياة وعن الثقافة المصرية وعن شروط الـ ( بيست سيلر ) محض كوابيس عابرة ؟ .

El Tango De Roxanne - Moulin Rouge

Saturday, August 29, 2009

قراءة في ( تخاريف خريف ) لـ مؤمن المحمدي



بداية من إهداء الكتاب الذي وجهه ( مؤمن المحمدي ) إلى نفسه باعتباره ( لا شريك لي .. للأسف ) سنعرف أننا أمام شعر لا يراهن على أحد أو شيء .. كتابة واعية بغياب اليقين النهائي الحاسم أو المعرفة الجازمة التي ينتهي عندها القلق ويبدأ الأمان الكامل .. أن يهدي الشاعر ديوانه إليه لكونه لا شريك له ومتأسفا على هذا فالأمر يفترض إذن أن الشاعر لا يراهن أيضا على ذاته باعتبارها ذاتً عارفة تمتلك الحكمة ومن ثم قادرة على إعادة تشكيل العالم وفقا لمشيئتها وإلا ماكان هناك مبرر للأسف ولكن الإهداء إلى ذات الشاعر هو رهان على استيعاب الكيان المنتهك لكونه منتهكا بالفعل ولكونه لا يستطيع أن يضع حدا لذلك أو حتى أن يفهم أي معنى يكمن وراء هذا الانتهاك .

( هتعمل إيه بكرة
أو كنت فين السبت عشرة الصبح
تتشال على كتاف المظاهرة
ولا ف النعش الخشب
خسر الحصان السبق
ولا السبق خسر الحصان
ما عادتش فارقة
في الحقيقة
ماعادتش فارقة )

عند غياب اليقين يتساوى كل شيء ويغيب التميز والاختلاف وتضيع الجدوى .. لا يوجد طريق ثابت يقودك إلى حقيقة صحيحة مؤكدة بل تتشابه جميع الأشياء التي لم تعد سوى أوهام فاشلة لا يوجد مبرر لإعطاءها أهمية ما أو تقدير استثنائي : المستقبل .. الماضي .. الوطن .. الموت .. خسارتك للحياة كأنك لا تستحقها .. خسارة الحياة لك كأنها هي التي لا تستحقك .

( السبت 30 أيلول 95
عشرة صباحا

ع الشاشة : عرفات ورابين
بيبوسوا بعض
في الهامش: أنا وانتي في الجامعة
بنودع بعض
يبقى
لما لما دخلت القهوة
أطلب شاي بحليب
بصيت ف مراية كانت مشروخة
مش صدفة )

ماذا يعني أنه لم يعد هناك فرق بين الأشياء ؟ .. لماذا تعتبر جميع الأشياء متساوية للدرجة التي نشعر معها أن الحرص على أي قيمة لا ضرورة له ؟ .. يمكننا أن نقترح العبث كإجابة محتملة على أساس أنه لا يوجد منطق عادل يحرّك العالم .. العالم الذي يحكم البشر بمتناقضاته الغادرة فيجعل من جريمة سياسية وأخلاقية حدثا كبيرا وهاما يمرر عبر التليفزيون لكل الدنيا بينما في نفس اللحظة هناك حبيبان يفترقان دون أن يشعر بهما أحد باعتبار أن هذا الفراق لا يعد حدثا كبيرا وهاما .. العبث الذي يسمح بأن يتزامن تبادل اثنين لقبلات ما كان يجب أبدا أن يتبادلاها مع افتراق حبيبين ما كان يجب أبدا أن يفترقا .. الذات هنا لا تستوعب هذا العبث كطبيعة وجود فحسب بل ترصد أيضا كيفية اتساق جميع الأشياء وانسجامها في نطاق هذا العبث .. كأن ثمة برمجة واحدة خفية توظف هذه الأشياء كلها وتجعلها متفقة ومتجانسة فيما بينها لتحقيق الخراب .. إذن ليست هناك أي صدفة في المسألة وانتباه الذات على شرخ المرآة هو احتواء تلقائي لكافة التفاصيل المشوهة التي تم تتبعها ذهنيا وشعوريا والتي تحمل الروح العمياء اللاعاقلة للفوضى .. المرآة المشروخة تم إلتقاطها بتحريض من الإدراك الباطني الذي شكلّته تجارب وخبرات الذات نتيجة علاقتها بمهازل غير مصدقة لواقع فاسد .. حققت المرآة المشروخة انتماءها لهذا الواقع بأن صارت عاكسة لوحشيته التي تم تكوين المأساة الإنسانية من خلال شروطها .. التكوين المكاني والزمني بمعنى أن الذات هنا تتأمل من خلال هذه المرآة المشروخة التشظي المبهم الذي نتج عن وجودها في هذا المكان بالذات وهذه اللحظة التاريخية من عمر العالم .. عين ثالثة ولكنها كلية هذه المرة تُمنح لك لا لكي تتفحص بها مأزقك الشخصي فحسب بل مأزق البشر الذين تورطوا مثلك في هذه اللعبة الغير مفهومة والذين لو تصادف ونظر أي منهم إلى مرآة سيجدها مشروخة أيضا وبالمناسبة لن تكون هذه صدفة بأي حال من الأحوال .

( جايز أكون مش بطل
لكن كمان ما تخلونيش كومبارس
واثبتوا لي إني صح
ولو لمرة
وإن صورة ربنا
مش بس كلمة بسملة
بتقولها أمي لما باتكعبل
وإن طهر الكون
مش بس أيام الطفولة
وجريي حافي
وكرهي المشركين في فيلم ماجدة
وخوفي م الشبشب
وبكايا
لما كان بيدخل جون ف إكرامي
وحنيني دايما إني أكبر
لجل ما اطول الجرس
( بالمناسبة
من يوم ما كبرت ما دقيتهوش )

لدى كل منا أسبابه الخاصة التي تدفعه لعدم المراهنة على أحد أو شيء .. التي تصل به لاعتبار كافة الأشياء متساوية في عدم جدواها .. قد تكون لدينا جميعا أسباب مشتركة وقد يكون أهمها هو كشفنا التدريجي والمتواصل عن زيف وهشاشة الثوابت التي زُرعت في نفوسنا وأُجبرنا على تبنيها والإيمان بها والتي حين خضنا بها معاركنا بعد ذلك أثبتت أنها ليست سوى أفخاخ كبيرة خدعتنا ببراعة وجعلتنا نصدق وعودها كي تحطم أرواحنا بانتظام ودقة على مدار الحياة .. الشاعر في هذا المقطع يحاكم المعرفة التي لقننت إليه وثبتت في وعيه ولم يعد يصدقها الآن .. ما عرفه عن الله هي بسملة أمه حين كان يتعثر وما عرفه عن براءة العالم هي الطفولة وألعابها ومشاعرها وأمنياتها المختلفة .. ربما كان يريد أن يكتشف عن الله وعن براءة العالم ما يتجاوز ذلك ولكنه لم يجد .. ربما كان يريد أن يجرب تحقق الكون الذي شكلّه الآخرون في خياله الطفولي ولكنه حينما كبر لم يعثر عليه بل وجد نفسه متورطا في كون آخر يخلو من البراءة التي كان يوقن بأنها لن تنتهي أبدا .

( كان شخص عادي
زي موته

بالليل
هرج مع زميلته بإديه
صلى العشا
بص لي بابتسامة
بسيطة صافية
زي موته

الصبح
كان الجو دافي وهادي
زي موته

جانا الخبر
فكنت عايز أسحب نفسي
من وسطهم
وأستلذ بالضحك
ف ساعة زي دي
ولما كان
وبقيت لوحدي
حسيت بحزن حقيقي
وبكيت بجد
صعب بكايا عليهم
زي موته

وف بيته
لقيتهم غيروا اسمه
بقى "الجثة"
شلتها بين إيديا
يعني شلته بين إيديا
وسمعت بنته
وهي بتصرخ عليه
فعرفت
إن موت شخص عادي
أصعب من موت الأبطال
ف كل الأفلام الثورية )

كأن العبث لا يمكن أن يكتمل إلا بموت مهمل ومنسي .. النهاية التي لا يمكن التخلي عنها كي يبقى العادي محتفظا بعاديته : مداعبة الزميلة .. الصلاة .. الابتسام .. لكن بعد الموت يحدث شيء تلقائي جدا وهو تغير اسمك إلى ( جثة ) .. الموت المتجاهَل الذي يصدمنا بالكشف عن الحياة السابقة المهمشة .. موت الآخر الذي يكشف حياتك أنت ومن ثم موتك القادم .. لأنك عادي مثله ولست بطلا في فيلم ثوري .. إذن أنت حين تبكي على هذا الشخص فأنت أيضا تبكي على نفسك وحين تحمل جثته فأنت بالتالي تحمل جثتك وحين تسمع ابنته تصرخ عليه فأنت ترى مصيرك

يوميات / كريم سامي


ها أنا , بجوار الهاتف , اتنظر صوتا , أعرفة أو لا , صوتا , و كيفما كان لماذا لا يرن الهاتف ؟ لا شيء يفوق تفاهة أن نضع جواب على سؤال ما . ها أنا , يدي على أنفي , اذن أنا موجود أنا لست ميت اذن , كما أنني لست حلم كما فكرت , اذ أن الأحلام لا تملك أنف و لا زغب يعلوها . هل أنا حزين ؟ لا أعرف , ما الذي تعنية مفردة حزين , و ما الذي تعنية مفردة فرح .منذ قليل فكرت أن أكتب قصيدة , ثم تذكرت أنني كتبت الكثير من القصائد و لم يرن هاتفيوبخت نفسي على التفكير بكيفية كهذة و أخبرتني : ألست ممن يؤمنون بالعبث ؟ ثم فكرت , أنه لماذا عليّ أن أؤمن بالعبث ؟ارتديت الثياب التي أحس أنني جميل داخلها , بنطال أزرق , قميص أبيض و حذاء مثقوب من أسفل لا يهم الثقب , للعابرات السطح , كما أنني مليء بالثقوب من الداخل أشحت هذة الفكرة .كنت جميل , تشهد مرايتي , و صوت قديم لامرآة أعرفها , هبطت للمدينة , و أثناء رجوعي أثرثر مع أناي : ها أنت تتيقن هواجسك , اللاشيء في الداخل . كنت كاذبا , كنت أتنظر عابرة , توقفني في البهجة و تسأل عن اسمي ,لم يحدث هذا لأسباب لا أعرفها .أحسست أنني عاريا في المدينة , و تنهال عليّ سياط غير مرئية كان الزكام في جسدي , و قروح بلا عدد في الداخل .فكرت أن أذهب للحانة , ثم تراجعت , لا أعرف لماذا فكرت في الحانة و لا أعرف لماذا تراجعت .كأن شخص أخر , يعيش حياتي , كأن وجودي أعرتة في نوبة ثمل , لعابر لا أعرفة . مر بي أصحابي , لابد أنهم أصحابي , يعرفون اسمي و ينطقونة بسهولة غريبة أخبروني " أنت حزين " , كنت فرح بنبرتهم الواثقة , ها أنا أتعرف على حالتي , حاولت أن أتعرف على الحزن الذي يتكلمون عنه نظرت الى داخلي ببساطة شديدة , و لم أجد شيء يذكر . كنت فارغ تماما , كما أنني كنت أترنح في خطواتي , مرارا كنت على وشك السقوط , في أي شيء كنت أتعثر ؟ لم أجد اجابة على السؤال , و أكملت الخطو لمكان لا أعرفة . منذ عدد لا بأس به من الأيام و أنا أحاول , أحاول أن أتحملني , كم هذا مؤلم و صعب . تقفز لي خدوش من الداخل , ذات يوم تظاهرت بالبكاء , لأحوز شفقة العابرة .الهاتف لا يرن , الشاي بارد و مر , لكنني سأرشفة , القلم الذي أكتب به يومياتي عديمة الجدوى , يؤلم يدي , أتوقف كثيرا بينما أكتب , أبحث عن نفسي و لا أجدها , أبحث عن صفة ملائمة , فلا أجد , أبحث عن صيحة تناسب العدم فلا أجد " حزين " لفظة سعيدة و " أه " مشاع للمرضى و لاستدرار العطف . أمسك أنفي و أقول أنني هنا . الليل طويل , و أنا وحدي , أفكر في سيان وجودي النافذة مشرعة على العواصف و المطر , البرد يهز ضلوعي , لكنني لا أفكر في اغلاق النافذة , أشعر أن جبلا مغزول بخطوتي , أحس بثقل شديد في الحركة , رغم أنني فارغ تماما .لا حبيبة و لا رفاق , المقهى قصدتة من قبل كثيرا , و البحر أدخرة لموتات أخرى . احتاج شيء ما , لا أعرفة . هل هو الأمل ؟ , ان كان , ها أنا بجوار الهاتف ’ اتنظر صوتا هل هو اليأس ؟ , ان كان , ها أنا بجوار هاتف أعرف أنه لن يرن الأن , ليس بمقدوري ارتكاب وهم ما , جالس في الليل , أخلع عيني عن النافذة , أشيح بها عن الهاتف أحاول ألا أنتظر و لا أعرف كيف .أفكر في معاني الكلمات , أحاول أن أعرف ما الذي تعنية لفظة " الارادة " ؟و عاجز أن أدرك أي شيء . أخجل أن أكتب " انا حزين " فأنا لا أعرف الحزن , كما أن لفظة أنا تدل على وجود ما . الأن , النافذة مشرعة على العدم , و أنا أمسك أنفي , و أضحك

Wednesday, August 19, 2009

قراءة في ( خمر المسا .. حليب النهار ) لـ حمدي زيدان


الرغبة في قصائد ( خمر المسا .. حليب النهار ) لـ ( حمدي زيدان ) ليست مجرد احتياج شخصي مستقل في مواجهة خلل ما تفرضه شروط العالم كقدر مراوغ .. هي بالأساس سؤال غير محكوم عن النقص والكمال تتوالد فرضياته باستمرار كشظايا متناثرة تتوزع بين الذات باعتبارها الفاعل الرئيسي في المغامرة الشعرية وبين الأشياء التي تحتضن هذه الذات وتحاصرها في الوقت نفسه .. على هذا ستتوقف العلاقة عن أن تكون ( تواصلية ) أو ( تصادمية ) فحسب بين الوعاء الحي للرغبة وبين ما يلزمه لتنفيذ قراراتها من أدوات الدنيا التي تخصه .. الشعر يراهن هنا على كشف أوجه محتملة للاندماج الملتبس بين الذات والأشياء والذي يحوّل العالم إلى فضاء سوقي مدوّخ من الألغاز المتكاثرة .. هناك تعرية ما ينبغي أن تتم وتجريد ضروري للرغبة من أي ملامح ثابتة ومستقرة أو حدود تفصلها عن أسئلة الوجود الأخرى الممكنة لصالح تأمل لعبة باطنية غير معقولة من الهدم والبناء المتواصل والمحتفظة دائما بقدرتها على الإدهاش .

( الست فرنسا
إللي بتلم شمع الكنيسة ، عشان تسيّحه في بيتها ، عشان تبيعه تاني لنفس الكنيسة
جارتنا المسيحية
عرفت ده لوحدي وأنا صغير ، من الصليب القش الأسود الكبير إللي كان على صدر فستانها الإسود القصير ، وشعرها الفضي لون الشمع السايح
جارتنا الخرسا
صرخت لما الشمع المغلي اتكبّ عليها
صرخت .. وما حدش حس بيها
زي رغبتي المغلية في قلبي القش )

الأمر لا يحتاج في نص ( رغبة بيضا ) أكثر من استدعاء متخيل ذهني يفترض تحول الواقع لحشد هائل ومتلاصق من المرايا المتقابلة والمتجاورة .. المرايا التي يمكن لأي أحد أن يتعرف من خلالها على تجسيدات مختلفة ومتعددة لهزيمته .. الرغبة هنا المسكوت عن ماهيتها عمدا في ارتباطها التلقائي الواثق برغبة الجارة المسيحية إلى أين تريد أن تذهب كدلالة واردة ؟ .. ربما إلى احتياج الجرح الشخصي للتوحد مع جروح الآخرين كي يدعم علاقته بنفسه وفقا لخبرة إنسانية تتجاوز الشخصنة إلى الأرق بالرغبة نفسها وبهزائمها كإشكالية كونية وبالتالي ليتمكن هذا الجرح من إنتاج سيرته الشعرية الخاصة .. الرغبة التي تم تغييبها ثم أشير إليها في نهاية النص تريدنا أن نعود لنستلهم ما فوق المحكي عنه ونتفحص التفاصيل المأساوية للجارة المسيحية بناء على مأساة أخرى مختبئة في خلفية هذا الواقع .. خلفية تخص الراوي الذي يرصد أزمتة الذاتية أثناء رصده لأزمة هذه الجارة التي لم تعد وحدها الخرساء ولم تعد وحدها التي صرخت حين انسكب الشمع المغلي عليها ولم تعد وحدها التي لم يشعر بها أحد .. هناك من عاش كل هذا الألم بطرق وأشكال مختلفة وعلى هذا لم يعد الراوي مجرد أنا منفصلة تتعاطف أو تشفق على آخر بسبب معاناة لا تخصها بل تحول إلى أن يكون هو الجارة المسيحية نفسها وأيضا تحول إلى أن يكون كل كائن أخرس انسكب الشمع عليه ولم يسمع صرخاته أحد .. بالضرورة أيضا تحوّل إلى السؤال الذي لم يعرف أبدا إجابة حاسمة عن معنى الرغبة وحكمتها الماورائية وعن الخيانة الكامنة بداخلها رغم كونها ( رغبة بيضاء ) مسالمة وطيبة .. الرغبة التي تجعل من أشياء العالم أسبابً للإخفاق وهي التي تشجعنا طوال الوقت وتحفزنا على أن نعتبرها أسبابً للخلاص .
هناك خيط دلالي آخر يمكن تتبعه وهو الذي يبدأ بـ ( الصليب القش ) وينتهي بـ ( قلبي القش ) .. ربما لدينا صليبين بالفعل .. صليب حقيقي على صدر فستان الجارة المسيحية وصليب مجازي يرمز إليه قلب الراوي وبما أنه على كل صليب ثمة إنسان يواجه عذابً ما ينتهي بقتله فهناك إذن سياق منسوج بعناية يسعى لاحتواء كافة قلوب البشر أو بالأحرى صلبانهم التي تموت عليها أحلامهم في السعادة .

في نص ( فرفرة ) عبور آخر داخل عمق الرغبة وعلاقتها بخيانة الأشياء الحميمة للذات حيث نقرأ :

( عارفين سكرة الموت ؟
طبعا دي غير سكرة ينّي !
فجأة كده قلبك ينقبض
زي وردة حمرا وقعت في خلاط أسمنت
وإيد كبيرة جامدة ملهاش قلب بتعصره )

وصف سكرة الموت بهذا الشكل لا يمثل سوى عتبة حين نتجاوزها سنتعرف على المشارك الآخر في هذه السكرة وهو المكان :

( وعنيك تتشعبط في كل حاجة في الأوضة
الحيطان ، الصور ، النجف ، اللمض السهاري
الشبابيك إللي اختفت فجأة من المشهد
الكراسي إللي بتنام على روحها من التعب
الترابيزة إللي خططت معاك كل مؤامراتك ضد الموت
دلوقت قاعدة بتكب حزنها على صدرها
وبتخبي وشها زي مجرم على وشك الاعتراف )

عناصر وتفاصيل الحجرة والتي ليست في الواقع مجرد موجودات جامدة وإنما تكوينات حية تحمل روح الراوي نفسه وذاكرته السرية الحميمة والتي كانت تشاركه عزلته وتمنحه الأمان والدعم بل وتتواطء وتتحالف معه في مواجهة الموت هي نفسها في لحظة الموت الحقيقية التي تتخلى عنه وتتركه يحتضر وحده دون أي حماية أو مساندة .. أشياء الحجرة التي كنت مطئمنا إليها لم تكن شريكة في العزلة وإنما شريكة في مؤامرة الموت المدبرة ضدك بإتقان .. الأشياء التي كنت مضطرا لاعتبارها وسيلتك لتحقيق الأمان والانتصار على الموت هي نفسها التي كانت وسيلة الموت في الاستمتاع بقلبك .
أين تكمن الخيانة بالتحديد إذن ؟ .. في الرغبة نفسها مهما كانت باعتبارها تسعى وراء أوهام استثنائية أو معجزات خارقة لن يمكنها بأي حال من الأحوال أن تتحقق في الحياة ؟ .. في العالم نفسه باعتباره من زرع بداخل كل منا اليقين الذي يتنامى مع استمرارنا في العيش بأن الدنيا قادرة على تحقيق رغباتنا أيا كانت بواسطة الأشياء التي تصادف أنها أُعطيت لنا وسُمح أن نجربها فأصبحنا مضطرين للتشبث بها كي تنقذنا : ( الحيطان ـ الصور ـ النجف ـ اللمض السهاري ـ الشبابيك ـ الكراسي ـ الترابيزة ) ؟ .. أم أن الأمر ليس أكثر من معادلة منضبطة ومحكمة بمنتهى البراعة تتسق فيها الرغبات المستحيلة والمخادعة بخبث والمزروعة بداخلنا عمدا كسرطانات عليها أن تلتهمنا بسرعات متفاوتة طوال الحياة وبين العالم الذي يجبرنا على التورط المتواصل في الفوضى الشرسة المعقدة بنظام لا يختل والمشكّلة بقوانين وألعاب وحيل متشابكة تغرينا دائما ورغما عنا بالاستسلام لها كي نحصل على النجاة ؟ .. النجاة التي نحصل بدلا منها على سكرة موت لا تشبه سكرة ينّي ! .

( كل شيء أنكرك
وكأنها خطة مدبرة ضدك
كل شيء ما بقاش بتاعك أو يهمه إللي بيحصلك
لإنك دلوقت بتموت
وكل الحاجات دي نفسها تعيش )

هل كانت الأشياء بالفعل تكوينات حية تحمل روحك وذاكرتك السرية الحميمة ؟ .. هل كانت صادقة معك حقا ثم انتصرت في النهاية لانفلاتها وتحررها تحت وطأة تأثيرات غير مدركة ؟ .. هل كانت تزيف لك الواقع بقصد حتى تظل مسجونا في غفلة لا تنتهي إلا بصدمة قاسية تفضح نواياها الأصلية تجاهك ؟ .. أم أنك أنت الذي كنت مجبرا على تصورها هكذا بينما هي في حقيقة الأمر مجرد موجودات جامدة تحمل أرواحها الخاصة المستقلة التي لا يعنيها خيالاتك وتوهماتك الشخصية تجاهها بل كل ما يلزمها هو تحقيق خلودها المنفصل عن فناءك الحتمي ؟ .. سكرة الموت هي مواجهة صريحة ومباشرة مع هذه المتاهة العنيفة والحادة حيث لن يمكنك أن تعرف أبدا لماذا لا يوجد شيء ينتمي إليك بشكل حقيقي ويضمن لك الحماية الكاملة من الأذى أو على الأقل يتدخل لإنقاذك في اللحظة المناسبة من الموت .. أي نوع من الموت .

في نص ( دبلانة من غير كاس ) نقرأ :

( قفلت وراها الباب
وعلقّت السهر ع الشيش
وقعدت تلعب بشوية المشاعر إللي لسه مدبلتش
( باكرهك .. باحبك )
شفايفها المليانين نشفوا
من كتر السكات ؟
من قلة البوس ؟
ولا من خوفها لو إتنهدت تخرج الذكرى من صدرها ؟ )

ثمة طقس يتم تهيئته لتحقق الوحدة وجودها المؤسس على مشاعر مهزومة ومكبوتة لم يعد يسمح الحرمان لها سوى باللهو المتوحد بلغة العاطفة التقليدية كنوع من الاستحضار المؤلم لقصة حب من الماضي لم تعد أكثر من مجرد ذكرى في الصدر .. تشتغل الرغبة هنا على مستويين متوازيين فبينما يتم تشييد عالم حسي متخيل ومنحه لغته الواقعية لإكسابه شرطا هاما يدعم تثبيته داخل الوحدة باعتبارها حاضرا راسخا يحاصر المحكي عنها يوجد أيضا اعتناء بالماضي وحرص على بقائه ووجوده في نسيج هذا الحاضر ربما لكونه الواقع الحقيقي السابق والذي يمكنه رغم غيابه أن يدعم العالم المتخيل داخل الوحدة ومنحه حضورا أكثر قوة وثبات .
ينبغي الالتفات في هذا المقطع أيضا للعلاقة اللغوية المتجانسة بين ( باكرهك .. باحبك ) و( تخرج الذكرى من صدرها ) .. عن ماذا نتحدث هنا ؟ .. نتحدث عن مشهد صغير قريب ومباشر مكوّن من إشارات لغوية مكثفة جدا كوخزات حادة مهمتها أن تجعل الحكاية الأساسية المتوارية التي تقف وراء النص تنبعث بهدوء تدريجي داخلك .. الذكرى هي حدث الماضي الذي حين يخاف أحد أن يخرج من صدره مع التنهد فهو إذن الذي يستحق أن نتمسك برعايته في أعماقنا .. ( باكرهك .. باحبك ) تمثلان الخطاب القادم من القاموس الأزلي المعتاد لوصف وتقييم شعورنا بأنفسنا وبالآخر .. إندماج دلالات الإشارات اللغوية الكامنة في النص يكشف عن علاقة بين المحكي عنها وآخر غائب حينما انتهت تحولت لذكرى لا يمكن مفارقتها وحينما انتهت أيضا لم تعد هناك حياة .. لم يعد هناك كلام ولا قبلات .. لم يعد هناك سوى شفاه جافة .

( وتتخيل حريقة كبيرة بتتفسح ف لحم البيوت
قلوب مشوية ، جوابات قديمة بتطيّر سطورها في
سرب مع الدخان ، غناوي ساحت ع الشفايف
( أنا باستناااااااااااااااااااااااااك أنا ) ...
وتنبّت الزهور الزرقا إللي في المخدة فوق راسها
بشكل مخيف )

ذات لحظة ما يمكنك عبر جحيمك الشخصي أن تكشف عن جحيم العالم فلا ترى الحريق الذي في بيتك فحسب بل ترى الحريق الذي في كل البيوت .. لا تشعر بقلبك المشوي فقط بل بكل القلوب المشوية .. لا ترى سطور جواباتك القديمة تطير مع دخان الحريق الذي ببيتك فحسب بل ترى سطور كل جوابات الآخرين القديمة التي تطير مع دخان الحريق الذي بكل بيت .. لا تشعر بالأغنيات التي ساحت على شفتيك أنت فقط بل بالأغنيات التي ساحت على كل الشفاه .. لست وحدك بالضرورة الذي تنتظر أحدا ما وتردد من أجله ( أنا باستنااااااااااااااك أنا ) .. ذات لحظة ما وأنت تكشف عن جحيم العالم عبر جحيمك الشخصي سيتحول السرير الذي تنكمش فوقه إلى قبر وتتحول زهور المخدة الزرقاء إلى زهور مقابر وبالطبع أنت إلى ميت .

أتصور أن نص ( قصايد للجيب ) يمثل بامتياز شهادة جمالية عن الشعر وعن الكتابة والفن بشكل عام :

( باحلم بقصايد من نشارة الخشب وبرادة الحديد وزناخة الشواطيء
قصايد مفتوحة لأرواح القطط الميتة ولشجن كلاب السكك
وموثقة بتل من صور عائلية قديمة لأشخاص معرفهاش
وجوابات متقطعة ومترقعة ببقع ميكروكروم
وشريط كاسيت سافف لأغنية جت ع الجرح
وإزازة نبيت تابت
وفردة جزمة ميري ع المعاش
وكسرة مراية محروقة أو مغمضة
حتة قلم رصاص مقصوف وميت على صدر ورقة شجر
تذكرتين سينما ممسوحين من العرق
كروت دومينو تايهة عن لعبة ناقصة
أوتوجراف دوبلير
فردة كاوتش نايمة ع الطريق السريع


قصايد للجيب
ومربوطة بحجر تقيل عشان تسقط في القلب )

يجب أن أشير أولا إلى أن الفراغ الصغير الذي تركه ( حمدي زيدان ) في النص بين جملة ( فردة كاوتش نايمة ع الطريق السريع ) وبين جملة النهاية ( قصايد للجيب ومربوطة بحجر تقيل عشان تسقط في القلب ) هذا الفراغ مهمته في ظني أن يخبرك بأن هناك المزيد والمزيد الذي لا آخر له من هذه الأشياء المشابهة التي تشترك في نفس المعنى وعلى هذا الفراغ أن يخبرك أيضا بالضرورة أنه متروك من أجلك كقاريء كي تكتب فيه الأشياء التي تخصك وتحمل نفس الهاجس .. هاجس الخلود الآمن والمتوهج الذي تسعى الكتابة دائما لأن تعطيه لكل ما هو مفتت وملوث وميت وحزين وضال ومنسي وممزق ومجروح ومعطل ويائس ومكسور ومحروق وممحو وتائه وناقص وفارغ ومهمل ومقصي .. لعنة هائلة يريد الشعر أن يحتفل بكل من تورط فيها ويريد دائما أن يُبقى هذا الاحتفال مرافقا لكل إنسان كشيء صغير وبسيط يسهل حمله في أي وقت وفي أي مكان .. الشعر يريد بشكل أساسي أن يثبّت هذا الاحتفال في أعماق ( القلب ) .. قلب كل إنسان أو كل غيب أو كل قدر أو كل زمن .. يريد تثبيته في قلب الكون نفسه ويفترض بالتالي ألا يتوقف أي منا عن التساؤل : أي حجر ثقيل يصلح لذلك ؟ .

كل نص في ( خمر المسا .. حليب النهار ) يستحق في تصوري قراءته الخاصة وفي نفس الوقت ثمة إطار كثيف تتوالد سطوته بسخاء ولا يمكن العبور فوقه دون تشريح وتمعن ويمثل بنية خفية ترتبط بها قصائد الكتاب وأقصد هنا جدل الرغبة باعتباره مركزا غير ثابت يحتمل ويستوعب جميع الاحتمالات المتشعبة اللامنتهية عن النقص والكمال وقد اخترت بناء على قناعة شخصية أجمل النصوص التي تتحقق فيها آليات ومدلولات هذا الجدل

The Curse of the Jade Scorpion

Trailer Small Time Crooks

Scoop Trailer

The Bridges of Madison County song

Monday, August 10, 2009

بوك ستور


ما الذي تعرفه عن الحياة حتى تتألم هكذا ؟ .. للعلم .. أنا لست مجبرا على تحمّل كل هذه الحماقات والانفعالات السخيفة التي تهاجمني بها ولكنني سأصبر عليك .. تقول أنها كانت حبيبتك وأنكما كنتما متفقين على الزواج ؟ .. تقول أنني كنت صديقك الذي تثق به ؟ .. حسنا .. ما الذي تغيّر ؟ .. ما هي الكارثة الفظيعة التي هدمت الكون من حولك وجعلتك هكذا ؟ .. أنت كنت في أجازة وأنا وهي كنا وحدنا في المكتبة .. كنت جالسا بجوار النافذة الزجاجية أقرأ الجريدة وكانت هي تقوم بترتيب بعض الكتب على الرفوف .. انتبهت عينيّ فجأة على قسم كتب التنمية البشرية وقوة التحكم في الذات .. أنت بالطبع تعرف هذا القسم جيدا لأنني طلبت منك ترتيبه في آخر يوم لك بالعمل قبل الأجازة ولكنك لم تفعل .. أليس هذا خطأك ؟ .. ناديتها وطلبت منها ترتيبه وبالفعل توجهت إليه وراحت تؤدي عملها بمنتهى الجدية والنشاط حتى وصلت إلى أحد الرفوف السفلية وهنا اضطرت للانحناء قليلا كي تتمكن من إتمام مهمتها .. كانت ترتدي جيبتها الجينز الزرقاء يا صديقي .. هل تحتاج أن أكمل لك ؟ .. أنت تعرف إلى أي مدى من الروعة يصل جمال مؤخرتها في هذه الجيبة بالذات .. تخيل أيضا أن تنحني بتلقائية مخلصة وهي ترتديها بينما أنا جالس وراءها .. لا أتذكر كيف تركت الجريدة على المنضدة ونهضت كالمسحور لأتجه إليها وأقف خلفها في صمت .. حين انتهت من ترتيب الكتب اعتدلت بجسدها والتفتت بعفوية لتجد نفسها في صدري .. سأكون كاذبا لو قلت لك أنها لم تفزع .. نعم فزعت بل وشهقت أيضا شهقة خفيفة ولكنها في نفس الوقت ابتسمت .. ولماذا لا تبتسم ؟ .. لقد كنت أنا الذي أقف وراءها وليس أي أحد آخر ثم أنني كنت مبتسما أيضا ويديّ تصعدان باتجاه كتفيها كي تمسكا بهما ثم تهبطا على ذراعيها وتتحسسهما بشوق .. تعرف ما الذي كان أجمل من ابتسامتها في هذه اللحظة ؟ .. شهوة عينيها التي اندلعت فجأة وراحت تتنقل بارتباك محموم بين عينيّ وشفتيّ .. لو كنت خبيرا بالنساء يا صديقي لفهمت بسهولة ماذا يعني هذا ولقمت على الفور برد الفعل المناسب الذي لم أتردد أنا لحظة واحدة في القيام به .. ألصقت فمي بفمها بقوة وأنا أحتضنها وأعتصر جسدها بين ذراعيّ .. سأكون كاذبا لو قلت لك أنها احتضنتني هي أيضا على الفور .. لا .. الحق يقال .. ظل ذراعاها مرفوعان ومعلقان في الفراغ لثانية أو أقل قبل أن أشعر بهما يحيطان برقبتي ويضمان رأسي إليها بشدة .. راحت تأكل شفتيّ أكلا وتشعل بلسانها كل سنتيمتر تتمكن من الوصول إليه في فمي .. كانت لحظات مذهلة ياصديقي لم يوقفها سوى انتباهي الصعب على المكان الذي نقف فيه .. كان من الممكن أن يدخل أي زائر فجأة ويرانا لذا توقفت رغما عني .. كانت أنفاسها متلاحقة وأنا كذلك وربما كانت تشعر أيضا بالدوار الخفيف وبالرعشة اللذيذة التي تحتفل بجسدي .. بخطوات سريعة توجهت إلى باب المكتبة وأغلقته بالمفتاح من الداخل ثم عدت إليها .. أمسكت بيدها وأنا أحدق في وجهها الذي بدا وكأن ملامحه قد استيقظت رغما عنها من حلم قصير ممتع تركها ناعسة ومتوردة بالنشوة والاهتياج .. أخذتها إلى ورشة النحت .. سارت معي مبتسمة ولم تنطق بكلمة واحدة .. كأننا كنا نعلن استسلامنا لقدر لا يمكن مقاومته ونتصرف وفقا لخضوعنا التام لسلطته ولمشيئته المطلقة بعد ان استحوذ على روحينا كليا وامتلك وحده القدرة على تحديد المصير الذي ستنتهي إليه لحظاتنا معا .. أغلقت باب الورشة علينا وعلى الفور ودون تضييع ثانية واحدة عاد كلا منا لاحتضان الآخر في نفس اللحظة بتوافق رائع .. لا أتذكر كم الوقت الذي استغرقناه في التقبيل والتلاحم واللهاث ولكن تستطيع أن تقول يا صديقي أننا كنا منفصلين عن العالم .. منعزلين داخل زمن خاص واستثنائي يتناسب مع المعجزة التي تحتوي جسدينا وتجعلنا نغيب في أعماق فردوس حسي لا يمكن استيعابه كي تعيد خلقنا بقوانين غير محسوبة وخارقة للمتعة .. كانت جيبتها قد نزلت إلى قدميها وكذلك كيلوتها وقبل أن تتحرك يدي ناحية حزام البنطلون وجدتها تركع على الأرض وتفك بنطلوني بأصابع متلهفة وتنزله هو وما تحته ثم تأخذ ( إله الثقوب ) في فمها كي تمنحه الصلوت التي تليق به .. نهضت ثم أعطتني ظهرها وانحنت للأمام بذمة لتستند بذراعيها على المنضدة الكبيرة الواطئة التي تتراص فوقها منحوتاتك الخشبية .. منحوتاتك الجميلة التي طالما امتدحناك كثيرا أنا وهي على براعتك في إبداعها : الفلاحون والدراويش وأبطال السير الشعبية .. منحوتاتك التي بدت مخمورة بالفرح وهي تتمايل في إيقاع منسجم بفعل الاهتزازات المتتالية لجسدها المصحوبة بتأوهاتها الخافتة السعيدة وبرعشات مؤخرتها الممتلئة التي راحت تتلاحق بامتنان استجابة لاندفاعاتي المتتابعة داخل حضنها العميق والدافيء والذي لم تتوقف أمطاره الحنونة عن التدفق بين فخذيها .. لو كنت موجودا بنفسك كي ترى بعينيك ما ترددت لحظة واحدة في الجزم بأن ما يحدث هو تجسيد وحشي فذ لحكاية كونية مرتجلة بمهارة فائقة عن الإنسان والزمن والحقيقة .. طقس أسطوري تواطء على إبداعه كل موجود انتمى بالصدفة لتلك اللحظة الغير عادية .. كانت كل الأشياء تعيش حالة من التناغم اللامتفق على إنتاجه ولكنه مع ذلك تم بإتقان مدهش يجمع بين شروط وأحكام الغريزة وما تحمله من خبرات ملتبسة وبين الإلهام الأشبه بتدافع ومضات أو التماعات ذهنية وشعورية مفاجئة لا يمكن تحديد أسبابها بدقة أو أين تكمن في العالم بالضبط البيئة الطبيعية التي ترعى أسرار تكوينها .
أخرجت كيس المناديل الورقية الصغير من جيب قميصي وأخذت منه منديلا لأمسح به مؤخرتها التي بدت كقبة كبيرة ناعمة مشقوقة ومتماسكة ببهاء اغتسل بياضها ببريق العرق والمني والضوء .. هذا المنديل أصرّت هي على الاحتفاظ به .. قالت أنه لا يمكنها أن تضمن المفاجآت المزاجية الغريبة لجروحها النفسية أو تضمن المستقبل الذي قد لا يسمح لها بتكرار الأمر ثانية لذا أرادت تذكارا يعيد إليها هذه البهجة الفريدة التي عاشتها معي بأي شكل .. لم أشأ أن أناقشها في هذا المستقبل أو أن أخبرها بأنني لن أستطيع الاستغناء عن جسمها بعد الآن .. قررت بيني وبين نفسي أن أترك المستقبل للمستقبل حتى لا أفسد بحوار لا يمكن التنبوء بالأبعاد التي يمكن أن يصل إليها الماضي القصير الرائع الذي أصبح مشتركا بيننا لكنني بالطبع لم أنجح في الإفلات من الشعور الهائل بالاستغراب وعدم التصديق تجاه ما اعتبرته تناقضا حادا ومضحكا بين البساطة والتلقائية الخالصة التي اختطفت بها جسدها وبين حذري الشديد وحرصي البالغ الآن على عدم إغضابها بالحديث عن ما هو قادم في علاقتنا والتي كان من الواضح أنها لازالت ـ رغم استمتاعها العظيم ـ تحت تأثير حدوثها المباغت وبالتالي كان من المنطقي ألا تمتلك على الفور حسابات مستقرة ومحسومة لهذه العلاقة يمكنها أن تحدد المسار المناسب الذي يجب أن تتخذه .. طلبت منها بدوري الاحتفاظ بكيلوتها ولكنها رفضت باعتبار أنها مستحيل أن تخرج إلى الشارع بدونه خاصة مع تلك الجيبة التي ترتديها لكنها وعدتني بأنها حين تعود إلى منزلها فإن أول شيء ستفعله هو خلعه ووضعه داخل كيس حتى لا يمسّه أي سوء يخدش رونق ما يسكن أنسجته من آثار ذلك اليوم مع وعد بأن تحضره إليّ غدا .. هذا ما فعلته فعلا يا صديقي .. أعطتني وثيقة قماشية مخلّد فيها رائحة شبقها وماءه الذي جف وترك بقعا داكنة تشبه نجومً منطفأة تخبيء ذكريات توهجها .

هذا ما حدث فحسب يا صديقي وما عدا ذلك لا يستحق الذكر .. هل يهمك كثيرا الابتسامات واللمسات المختلسة التي كنا نتبادلها وسط روّاد المكتبة خاصة أثناء حفلات توقيع الكتب التي نشطت في فترة أجازتك والتي كانت أبرزها حفلات كتب : ( يا عيني يا مصر ) ، ( مصر من البلكونة ) ، ( كابتن مصر ) ، ( مصر مش أمي ) ، ( مصر المفروسة ) ؟! .. بالتأكيد هذه أشياء ليست مهمة .. دعني أخبرك بماذا يجب أن تهتم الآن يا صديقي .. عليك ألا تسجن نفسك داخل جحيم منعزل وتخلق بداخله وحوشً خرافية لأنها لن تفترس أحدا غيرك .. يجب أن تؤمن فقط أن أمورا كهذه تحدث بطريقة عادية جدا .. الحياة تسمح بهذه الأشياء ولا تريد منا بالضرورة أن نتعامل مع ما وافقت هي على حدوثه على أنه كارثة أو أزمة .. الحياة تريدك أن تستمر مهما حدث يا صديقي .. تريدك أن تتفهم آلام هذه المرأة التي عاشت من قبل تجربة زواج قاسية وأحبت العمل في المكتبة الذي ساعدها كثيرا على ترويض أحزان الماضي كما أنها أحبتك أنت .. أنت لم تكن مجرد زميل عمل لها بل اعتبرتك حبيبا تنوي الزواج به لتحاول معه إنهاء مشاكلها السابقة مع الدنيا .. هي لم تحبني أنا .. رغم أنني صاحب العمل وأكثر وسامة ونضجا منك إلا أنها لم تحبني .. هي أرادتني فقط في لحظة ما قد تكون هي الوحيدة وربما تتكرر ـ الله أعلم ـ ولكن ما يعنينا هنا هو الفرق بين الرجل الذي تريد أن تنام معه المرأة أحيانا وبين الرجل الذي تريد أن تعيش معه مدى الحياة .. هي تريد أن تعيش معك أنت يا صديقي .. هي تحتاجك أنت وليس أنا .. ألم تسأل نفسك لماذا أخبرتك بنفسي ؟ .. ليس لثقتي في قدرتك على الشك والتوصل للحقيقة بنفسك خاصة ونحن الثلاثة نمضي أغلب اليوم داخل مكان واحد والاحتمالات قوية بالطبع في أن يحدث أي شيء مهما كان تافها لا ننتبه إليه ربما يجعلك تحس وتفهم .. ليس لهذا فحسب .. أنا أريد أيضا الحفاظ عليك .. أريدك أن تظل صديقي وألا تستنتج مما حكيته لك سوى معنى واحد فقط .. أنني لم أخبيء عنك شيئا .. لم أكذب عليك وأخبرتك بكل ما حدث وبالتفصيل وبمحض إرادتي ودون أن يكون عندك أي خلفية عن أي شيء .. الأصدقاء يفعلون هذا .. يتصارحون فورا لأنهم يريدون ببساطة أن يظلوا أصدقاء .. دع صداقتنا تستمر ودع مشروع الزواج بحبيبتك يستمر ودع العمل بيننا يتواصل ويزدهر .. دع الحياة تكمل مسيرتها ولا تنسى بعد ذلك أن ترتب الكتب التي أطلب منك ترتيبها

كم راهنت على غبائهم … ؟ ! ! / د. سيد القمني


فى حملة شديدة الوطأة بهدف الاغتيال الأدبى والمعنوى بعد حصولى على جائزة الدولة التقديرية أجدنى مدينا للناس بيان توضيحى حول ما سيق من تهم بحقى ، خاصة إذا توافق على تلك الاتهامات عدد من الجهات وهى على الترتيب : ( جبهة علماء الأزهر) فى بيان بعنوان : إلى الأمة صاحبة الشأن فى جريمة وزارة الثقافة ، ثم (الجماعة السلفية ) ممثله فى موقعها الإلكترونى ( المصريون ) ثم ( الجماعة الإسلامية ) الإرهابية المدانة بأعمال إجرامية فى حق مصر وشعبها وضيوفها بذات البيان على موقعها الإلكترونى ، ثم الإخوان المسلمين ممثلين فى الناطق بلسان كتلتهم النيابية ( د/ حمدى حسن ) ثم مفتى مصر الأسبق ( د/ نصر فريد واصل ) ثم فضيلة مفتى مصر الحالى ( الدكتور على جمعة ) .
ومن حق المواطن اذا ما اجتمع هؤلاء ان يتساءل : كيف اجتمع هؤلاء جميعا على قلب رجل واحد إن لم يكن معهم الحق كله ؟ لكنى رغم هذا أنبه بداية إلى ان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان فردا فى مواجهة الجزيرة والعالم كله ، وكانوا هم الخطأ كلة وكان هو الصواب كلة ، مع الفارق البائن بين شخصى الضعيف بكل ماللبشر من أخطاء وبين سيد الخلق ، فإنه مثال أضربه فقط لببيان أن الإجماع أحيانا ما يكون هو الباطل عينه ، وسأثبت هنا الآن بالبرهان والدليل أن هذا الإجماع قد قام على كذبه شريرة تلتها سلسلة من الأكاذيب انتهت باستصدار فتاوى بتفكيرى ، واعتمدت كلها كتاباًً واحداً من كتبى لم يكن هو محل حصولى على جائزة الدولة التقديرية التى تمنح على مجموع الأعمال وهى وفيرة والحمد لله ، واعتمدت جميعها بيان جبهة علماء الأزهر ثقة فيها ، دون أى مراجعة للتأكد من صدق ما جاء فيه من عدمه ، علما أن جبهة علماء الأزهر لا علاقة لها بالأزهر الشريف إنما هو عنوان ترويجى لجماعة ثم حلها بسبب تطرفها وتطاولها الدائم على كبار الأزاهرة عام 1999 ، فتحولت إلى جماعة سرية دون مقر سوى نافذة على الإنترنت ، حتى أقام لها إخوان الكويت مقراً هناك ، لتنفذ من خلاله أجندتها الأجنبية ضد مصر كأزهر وكشعب وكحكومة وكدولة .
****
يقول بيان الجبهة : < < لقد خرج السيد القمنى على كل معالم الشرف والدين ، حين قال فى إحدى كتبه الذى أعطاه الوزير عليها جائزة الدولة التقديرية : " ان محمدا ( صلى الله عليه وسلم على رغم أنفه وأنف من معه ) قد وفر لنفسه الأمان المالى بزواجه من الأرملة خديجة ( رضى الله عنها على رغم أنفه كذلك وأنف من رضى به مثقفا ) بعد ان خدع والدها ، وغيبه عن الوعى بأن اسقاه الخمر " ، وقد تأكدت ردته بزعمه المنشور له فى كتابه الحزب الهاشمى الذى اعتبره وزيره عملا يستحق عليه جائزة الدولة التقديرية أيضا : " إن دين محمد ( صلى الله عليه وسلم ) هو مشروع طائفى اخترعه عبد المطلب الذى أسس الجناح الدينى للحزب الهاشمى على وفق النموذج اليهودى الاسرائيلى لتسود بة بنو هاشم غيرها من القبائل " فكان بذلك وبغيره مما ذكرنا له وعنه من قبل ، قد أتى الكفر البواح الذى لا يحتمل تأويلا >>.
وفى اللقاءات التليفزيونية التى شاركت فيها وشارك فيها ممثل الجبهة الدكتور محمد عيسى البرى وممثل الإخوان الدكتور حمدى حسن ، أنكرت تماما وبالمرة أن يكون قد ورد بأى من كتبى أو مقالاتى مثل هذه النصوص الموضوعة داخل علامات تنصيص مسبوقة بكلمة ( قال ) لتأكيد أنها نص كلامى . وطالبت الدكتور البرى على قناة المحور أن يتكرم ببيان موضع هذه النصوص فى أى من كتبى ، أو أن يأتى بنصوص أخرى تشير إلى ذلك الكفران فكان رده : ” أنا لا أقرأ هذه الزبالة ” ؟ ! ! وبغض النظر عن مستوى أدب مشايخ الجبهة ، فكيف به لم يقرأ ما كتبت ويصدر مثل هذا الحكم الظالم والقاسى هو وجبهتة ؟ هو نفس الموقف الذى حدث مع الدكتور حمدى حسن الذى طالبته على قناة الفراعين ببيان هذه النصوص فى كتبى فكان رده : ” هو أنا فاضى أقرا الكلام الفارغ ده ” ، فطلبت منه الحضور هو وأعضاء الجبهة فى مواجهة علنية ، واتفقنا على يوم السبت التالى لهذة المواجهة ، فكانت النتيجة أنه لم يحضر أحد غيرى ، وعوضنا عن حضورهم حجزوا التليفونات للمشاركة وانهالوا سبا وشتما عن بعد بواسطة صبيتهم من محترفى القذف والتكفير . حتى ألجأونى فى قناة ( ON.T.V ) أن أشهر شهادتى الإسلامية كما لو كنت غير مسلم قبلها ، وحمدت الله أنه مَنّ على بالميلاد مسلما ، ثم مًنّ على ثانية بأن منحنى عقلا باحثا منقبا بين الأديان ، لأختار الإسلام عن قناعة ورضى ، مع احترامى لكل الأديان الأخرى بحسباتها سبلا تؤدى جميعها إلى الله وإلى الخلق القويم ، وأنى لم أجد فى الإسلام ما يصرفنى عنه إلى غيره ، بل ماحدث هو يقينى به عن درس وفهم وقناعة، واختياره عن روية وتدبر .
ورغم هذه الشهادة العلنية فقد استمرت الحملة بلا هوادة ، والتى زاد من سعارها دخول المفتى الأسبق وهو المعروف بميولة السلفية المتشددة ، وكان عثرة دائمة فى وجة القرارات المتعلقة بالحقوق ، وسبب أكثر من حرج للخارجية المصرية مما انتهى بعزلة الفجائى . أما أخطرها فكان فتوى فضيلة المفتى الدكتور على جمعة ، والتى جاءت رداً على السؤال الذى قدمة جمال سلطان صاحب موقع ( المصريون ) السلفى المتطرف ، والذى سجلت نصه الفتوى كالتالى : ” إطلعنا على الإيميل الوارد بتاريخ 9/7/2009 المقيد برقم 1262 لسنة 2009 والمتضمن : ما حكم الشرع فى منح جائزة مالية ووسام رفيع لشخص تهجم فى كتبه المنشورة الشائعة على نبى الاسلام ، ووصف دين الإسلام بأنه دين مزور ، وأن الوحى والنبوة اختراع اخترعه عبد المطلب لكى يتمكن من انتزاع الهيمنة على قريش ومكة من الأمويين ، وان عبد المطلب استعان باليهود لتمرير حكاية النبوة – على حد تعبيرة – فهل يجوز أن تقوم لجنة بمنح مثل هذا الشخص وساما تقديريا تكريما له رفعا من شأنه وترويجا لأفكاره ؟ …. الخ ” .
وكان طبيعيا ان يكون رد الفتوى كالتالى : ” هذه النصوص كفرية تخرج قائلها من ملة الإسلام إذا كان مسلما ، وتعد من الجرائم التى نصت عليها المادة سالفة الذكر من قانون العقوبات ، واذا ثبت صدور مثل هذا الكلام الدنىء والباطل الممجوج من شخص معين فهو جدير بالتجريم لا بالتكريم ” . وهنا لابد ان نذكر أن الصحفى جمال عبد الرحيم الذى سبق وطالب بذبح البهائيين وقتلهم علنا بالتلفزيون مما أدى إلى هياج مسلمى قرية الشارونية وأدى لحرق مساكنهم بالقرية ، هو نفسة من أكد على قناة ( ON . T. V ) أن النصوص الواردة فى سؤال جمال سلطان طالب الفتوى هى من كتبى وأنه تم إرسال الكتب مع بيان النصوص الكفرية بها لفضيلة المفتى ، وتبعها بوصلة شتائم وتكفير علنى لا أعلم مكانها ولا مكان كذبة وتزويرة غير المرتب من ميثاق الشرف الصحفى ، بينما الفتوى كما هو واضح لم تشر لإسمى بالمرة ، وواضح أيضا أن فضيلة المفتى لم يكن بيدية كتبا ولا نصوصا سوى ما ورد فى سؤال المستفتى السيد جمال سلطان صاحب موقع المصريون .
ورغم عدم ذكر اسمى صراحة لا من المستفتى ولا من المفتى فقد قام جمال سلطان بنشر الفتوى على موقعه واضعا صورتى بجوار صورة فضيلة المفتى ليجعل الفتوى خاصة بى !! فأى شرف هنا وأى مبدأ وأى إيمان هذا ؟ وأى دين فى الدنيا يسمح لأصحابة بالتزويرالقاتل والتلفيق العلنى الفاجرفى سبيلة ؟ ومرة أخرى أنكر تماما وبالمرة وبالقطع ورود النصوص المنسوبة إلىَّ فى أى من كتبى المتداولة والمتاحة للجميع ، وكان على السادة أعضاء الجماعة السلفية أن يقوموا بتصوير هذه النصوص من كتبى ونشرها على الملأ ، كدليل وبرهان ، لكنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا ، لأنها كلها كلام لا أعرفه ولا يمت لكتاباتى بصلة .
أما فضيلة المفتى فهو يعرفنى بشكل شخصى وقد التقانى مع احد المنظرين من جماعة الإخوان فى مناظرة كنت فيها طرفاً وحيداً أمامهما ، وذلك بمقر مجلة القاهرة التى كانت حينذاك برئاسة المرحوم الدكتور غالى شكرى الذى اتهموة بدورة بتزوير الدكتوراة بينما كان أحد أهم أساتذة جيلى ، وقد نشرت المجلة وقائع هذه المناظرة فى حينه . وأن ما طرحته فى تلك المناظرة كان محاولة فهم جديد للتراث الإسلامى وليس للدين الإسلامى ، حتى لا يكون فهم هذا التراث متوقفا دون تجديد عند ألف عام مضت ، وليتمكن المسلمون من اللحاق بالعالم المتقدم ، وأنه قد اصبحت هناك حاجة ملحة لظهور مذهب جديد يتلاءم مع ظرفنا اليوم ، بعد أن مضى ألف عام على ظهور آخر مذهب ، فكانت طرحا وجدلا محترما لوجهات نظر متباينة مختلفة وكلها على أرض الإسلام وليس فيها طرف خارج ذلك ، وانتهينا أصدقاء لم يفسد لنا اختلاف الرأى مودتنا الإنسانية وانصرفنا بعد عناق حار ومحبة متبادلة . ولم يجد فضيلته فيما قلت بالمناظرة كفراَ ولا مروقاَ ، وربما لو كتب جمال سلطان إسمى فى سؤاله الملغوم ، لربما تحوط فضيلة المفتى ولطلب النصوص من كتبى حتى يصدر حكمة عن بينه ومعاينة نافية للجهالة .
هذا ناهيك عن كون صدور فتوى تكفير علنى لأى مواطن عن دار رسمية ومهيبة كدار الإفتاء المصرية ، هو أمر يسيىء إلى دار الإفتاء وإلى الدين الإسلامى نفسه وإلى مصر كلها ، فى زمن لم يعد يحتمل مثل هذه القرارات ، خاصة وأن فضيلة المفتى أجاب عن سؤال صحفى فى زيارته لأمريكا عن حق المسلم فى تغيير دينه ، فأجاب بالإيجاب وأن الإسلام لا يجرم تاركه إلى دين آخر ، لأنه من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر بأمر قرآنى ، وهو القول المناسب فى المكان المناسب فى الزمن المناسب ، فما له ومسلم مثلى يعلن إسلامه وتمسكة به شرفا وعزة ؟!! إنها هنة كبيرة لا تليق بمقام صاحب الفضيلة الذى كان عليه أن يتحرى ولا يفترض فرضا جدليا مشروطا كما فى قوله : ” وإذا ثبت صدور ها الكلام الدنىء والباطل من شخص معين فهو جدير بالتجريم لا بالتكريم ” . وأهيب بصاحب الفضيلة أن يقرأ أعمالى متجردا محايدا وألا يسقط عليها فهما بعينه ، فالمحاسبة يجب أن تكون على نص كلامى فى كتبى وليس فى حوار صحفى ، وليس حسب فهم جماعة مؤدلجة مسيسة كالإخوان أو جبهة علماء الأزهر ، لأن الأمر فى حقيقته هو أن كتاباتى تكشف زيف مايعلنون وتهز العروش من تحتهم ، والتى تسلطنوا بها على أدمغة المسلمين حتى أوصلونا الى حيث نقبع الآن فى مؤخرة الأمم ، وآن لها أن ترتج من تحتهم وتتزلزل .
****
ليس لى مشكلة مع اى دين من الأديان ناهيك عن إسلامى الذى افاخر به ، وأباهى بفهمى له بما يوافق زماننا وظروفه، وبما يطيح بمصالح السلطة الدينية والكهنوتية ، حيث لا يوجد ولم يوجد فى الإسلام لا مشيخة ولا أُكليروس ، فقاموا يعلنون أن كتاباتى تهدم الإسلام ، وهو قول غليظ نكير يشير إلى مدى تقديرهم لديننا الحنيف ، الذى ستهدمه سطور هنا أو هناك ، وإلى مدى استغلالهم هذا الدين وإشهاره تكفيراً وهم يعلمون حقيقة الأمر، وينتهزون غفلة المسلمين عن المتابعة وانحسارعادة القراءة مع الصحوة التى حرمت الفن والإبداع وكقرت المفكرين ودّعَرت الفنانين ، ليستثممروهم فى معركة هى الباطل ذاته ، إنهم يستميتون اليوم فى هذه المعركة بحسبانها معركة وجود ، بناء على تفسيرهم أن منحى الجائزة يعنى انحياز الدولة جميعا للفكر الليبرالى والحرييات الديمقراطية ، وهو ما يعنى انحسار نفوذهم وانكماش موجتهم العاتية ، لكنهم دخلوا المعركة بأسلحة فاسدة ورخيصة لا تشير إلى عمق فى التدين ولاشرف فى قول الحق ، وإن كانت من وجهة نظرى فى النهاية رغم حشدهم وتجمعهم أنها معركة غير متكافئة لأننى فيها الطرف الأقوى وأنهم ليسوا أكثر من عهن منفوش ، و لوقوفى على أرض صلبة وقيم ومبادىء محترمة .
دعونى أدلل على هذا الكلام الذى يبدو قاسيا بما حدث على قناة الناس … إستضاف السيد خالد عبد الله ( يقول عن نفسة أنة شيخ ) فى برنامجه على قناة الناس عدداً من الضيوف ، وكذلك فضيله الشيخ ابو إسحق الحوينى تليفونيا ، ودار بينهما حوار ادعى فيه السيد خالد أقوالا فلوته كثيرة نسبها إلىَ ولعل أخطرها كان الحوار التالى :
خالد عبد الله : سيد القمنى اتهم النبى ( صلى الله عليه وسلم ) وقال : إن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) رغم أنفه وأنف من معه قد وفر الأمان لنفسه بالزواج من الأرملة الثرية خديجة بنت خويلد .
الشيخ الحوينى : عفوا عفوا ، قال العبارة دى بالضبط ؟
خالد عبد الله : العبارة كده بالضبط حضرتك .
الشيخ الحوينى : يعنى يقول عن رسول الله رغم أنفه ؟
خالد عبد الله : هكذا (رغم أنفه وأنف من معه ) ووفر الأمان لنفسه لما تزوج الأرملة الثرية خديجة بنت خويلد بعد أن سقى والدها الخمر ليغيبة عن الوعى ويأخذ منه عهد الزواج ، هذا كلام عن رسول الله واله ( صلى الله عليه وسلم) فرأى فضيلتكم ، وده جزء فيض من غيض وقطره من بحر من كتابات فجة وأكثر من فجة ماجت بها كتبه وهو يقول لماذا تكفروننى ! ؟
الشيخ الحوينى : أنا صدمت من العبارة الأخيرة ، يعنى كل ما تكلمت به عن الصحابة رغم فجاجته وفظاعته ، الكلام ده كوم والجملة الأخيرة اللى سمعتها وحاولت التثبيت منها كوم تانى ، وأرجو أن تكون دقيقا فى نقلك عنه .
خالد عبد الله : هية دقيقة يا أفندم .
الحوينى : إذا قال على رغم انف النبى فهذا كافر بلا شك ( واستمرت بعد ذلك وصلة التكفير الى نهاية البرنامج ) .
صاحبنا الشيخ خالد عبداللة الذى يرى فى المشيخة نجومية وليس خدمة للإسلام ويحسدة عليها الناس حسب ما قاله يوما ، لم يلتفت إلى أن هذه العبارة : ( رغم أنفة وأنف من معة ) هى جملة اعتراضية وأنها من قول مشايخ الجبهة ، نظراً لأنى أصلى وأسلم على المصطفى كلما ورد اسمه بكتاباتى ، ويعتبرون هذه الصلاة والتسليم رغم أنفى وأنف من معى وأنف من رضى بى مثقفا . ورغم ذلك فإن الشيخ خالد المدافع عن دين الله الذى يفترض فى الداعى الصدق والأمانة والنزاهة ، يؤكد أن عبارة الجبهة الاعتراضية هى من كتابى بعد التدقيق والتحقق ، ليستصدر بها فتوى تكفير من الشيخ الحوينى بالخداع والتزوير. فأين يا سادتى ميثاق الشرف الإعلامى مع مثل هؤلاء النجوم من مشايخ الفيديو كليب ، وإلى متى تتركونهم يسقطون على أى مثيرات ليستحدموها لاستثارة النزعات الغريزية وتكريس كراهية المختلف لإقصائة ؟
****
أما ما ورد بكتابى الإسلاميات الذى يشتمل أربعة أجزاء وضمنه الحزب الهاشمى جزءاَ أولا فهو كما عرفته فى صدر كتابى : ” قراءة اجتماعية سياسية للسيرة النبوية ” وقلت فى مقدمة الحزب الهاشمى أن كتابى هذا ليس كتابا فى الدين ولا فى أى من علومه ، إنما هو محاولة استكشافية للحكمة الإلهية على أرض الحجاز ، وكيف هيأت تلك الحكمة الواقع لتقبل الدعوة فى وسط جاهلى صحراوى قبلى متشرزم متقاتل ؟ فلا أنا مفسر ولا أنا مفتى إنما باحث يستخدم المنهج العلمى بخطواته الدقيقة لقراءة واقع أرضى ، بعد أن تحدثوا كلهم فى الغيب السماوى وهو وحدة الكتابات التى تملأ المكتبة العربية حتى أنها تغص بها غصاً .
ولأنى أعلم أن الدين هو محل إيمان أو عدم إيمان وليس محل بحث ، هو أن تصدق أو لا تصدق ، وبينما قاموا هم يبحثون الغيب وذات الله وصفاته والعرش والملائكة والجنة والناروالساط وعذاب القبر وبول الرسول وبول الناقة وزواج الرضيعة ورضاع الكبير ، واختلفوا حولها فرقا اضطهدت بعضها بعضا ، فإنى فى دراساتى نأيت عن هذا كله ، وسلمت إيمانى الغيبى لعلام الغيوب ، وخضدت فى البحث فى المساحة التى يمكن ان تخضع للبحث والمناقشة وهى مساحة الواقع الأرضى وليس السماوى .
كما أننى أيضا لست صحافيا ولا إعلاميا وما خضدت فى الصحافة والإعلام إلا مكرها بعد أن تحولت قضيتى لقضية رأى عام ، وسأحتسب هذا الموضوع آخر ماسأخوض فيه حول هذه المعركة غير النظيفة ، لأعود لأبحاثى ودراساتى وعملى ،لأترك الأمر للقضاء المصرى ليفصل فية ، رغم أن دخول الدكتور المستشار أحمد مكى بثقله القضائى وهو لازال بعد قاضيا ولم يخرج معاش ، ليكرر ذات الإدانة القائمة على ذات أكاذيب الجبهة ، فهى والله مصيبة كارثية من العيار الثقيل ، لكنها لا تفقدنى الثقة فى آخر حصوننا المصرية ( عدالة القضاء المصرى ونزاهته ) والذى كان حكما بيننا من قبل فكان كما أحسنا الظن بة دوما .
****
المهم أنة بعد هربهم من المواجهات العلنية ، وبعد إقرارهم بعدم القراءة ، وبعد انكشاف قناة الناس ونجمها اللوذعى الكذوب الشرير ، وحجم التزوير والفساد الأخلاقى للمتحدثين باسم الإسلام ، قاموا يطعنون فى الإجراءات التى تم بموجبها منحى جائزة الدولة فنسبوا إلى المفوض العام لأتيلية القاهرة أن الأتيلية ينكر ترشيحى لهذة الجائزة بالمرة ، وذلك اعتمادا على أن من رشحنى هو مجلس الإدارة السابق بريادة الفنان العبقرى والعلمانى السافرالأستاذ وجية وهبة . إلا أن المدهش أن الأتيلية والمفوض العام قد أقاموا حفل تكريم بمناسبة حصولى على الجائزة حضرة حشد كريم من مثقفى مصر وذلك يوم الخميس ( 6/8/2009 ) أى بعد نشر التصريح المنسوب لهم .
كل مرة مع انكشافهم نظن الأمر قد انتهى لتجدهم يخرجون بجديد لتأكيد عدم استحقاقى الجائزة ، وكان آخر ماخرجوا بة هو أنى زورت لنفسى شهادة الدكتوراة ، ثم عدلوا الموقف بعدها فقالوا إن الشهادة ليست صادرة عن جامعة جنوب كاليفورنيا المشهورة ( بالمراسلة ) إنما هى ( جامعة كاليفورنبا الجنوبية ) التى استثمرت الإسم الشهير فى صياغة مشابهة ، وأنى اشتريت الدكتوراه منها شراء وهى إحدى جامعات بير السلم ( أنظر موقع المصريون وهو ضد كل ماهو مصرى ) .
مشكلتهم معى أنهم لم يستطيعوا أن يقدموا نصاً واحداً من كتاباتى يدينونى به ، وظنوا أنهم أرهبونى فكشفت زيفهم وكذبهم على الملأ على الفنوات الفضائية داخل البيوت … فماذا إذن ؟ إن الجائزة لا تعطى للمكرم لأنه يحمل درجة الدكتوراه ولا لدرجة إيمانه وتقواه فهذه تعطى لشيخ أو قس وليس لمفكر ، فإذا اكتشفوا أن الجامعة المانحة هى جامعة غير معروفة ولا معترف بها ، فإن رحلتى العلمية إليها معروفة ومتكاملة الأركان بمعرفة ومتابعة من أساتذة عرب كبار يتمنى الكثيرون أن يحظوا بأستذتهم .
ولنعد مع رحلتى العلمية إلى المبتدا عندما تخرجت من جامعة عين شمس..عام 1969 حيث درست لحسن حظي ..على يد كبار فلاسفتنا في الشرق ، بدءا من الجليل عبد الرحمن بدوي..الى الفيلسوف المقاتل و المعلم الأكبروالأول لى ولأبناء جيلى الدكتور فؤاد زكريا ، و د.مصطفى حسن الساعاتي أستاذ علم الاجتماع الأشهر.. و الدكتور محمود رجب والدكتور عزمى إسلام و الإنسان الرائع بكل المعانى الدكتورحسن حنفي .
وبعد التخرج سافرت للعمل بدول الخليج كمعلم للفلسفة بالمرحلة الثانوية …حيث كانت جامعات العالم تعرض نفسها هناك..منها الأوروبية..و منها الأمريكية..و منها العربية..، و قد أصبحت لهذه الجامعات مقرات دائمة الآن في دول الخليج ( عقبالنا قادر ياكريم ) .
و مع اكتشافي أن مؤهلات جامعاتنا المصرية، غير معترف بها إلا في مصر و بعض الدول العربية. فقد حاولت الحصول على درجة علمية..تسمح لي بالعمل في دول الغرب الحر ..و ليس من أجل الدرجة العلمية في حد ذاتها فلم تكن من أهدافى ولا ظننت حينها أنى سأكون كاتبا يوما . كانت محاولة لتحقيق حلم الصبى وكان حلم كل الشباب في هذا السن للعيش فى بلاد راقية . و اخترت ( الجامعةاليسوعية/القديس يوسف ) في بيروت..بعد أن علمت أن جميع الوزراء و رؤساء الجمهوريات و أصحاب الأدوار السياسية الفاعلة في لبنان ..هم من خريجي هذه الجامعة..و انها فرع من جامعة (ليون)..و بعد أن حضرت المحاضرة الترويجية للجامعة اليسوعية في رابطة الاجتماعيين بالكويت برئاسة الدكتور (أسعد على الشيخ..و هو سوري/ أطال اللة فى عمرة )..الذي خلب لبي برؤاه المتجاوزة للمألوف . فتقدمت بأوراقي للدراسة فيها.. و خضت الامتحانات التحريرية في أصول المنهج العلمي وهو ما كانا زادي من بعد في صرامة خطواتي البحثية ، و قدمت بحثي الأول بعنوان لماذا المسيح من إنسان إلى إله؟ الذى تم تحت إشراف البروفيسور الفرنسى (ميشيل آلار/ أطال اللة فى عمرة ) ، ثم بحثي الثاني : (آلهة الفداء و الخلود) تحت إشراف الأستاذ الدكتور أسعد على رئيس القسم ، و إبان ذلك كنت أسعى وراء أستاذي (أسعد على ) متشوفا للمعرفة ومتابعة ما اتوصل إلية معة ، ما بين دمشق وبيروت ، وما بين عين الجديده بلبنان فى بيتة وبين اللاذقية بسوريا ، و كثيراً ما جعلني أعيد كتابة بعض الفصول أكثر من مرة ، لكنه بلا شك رغم صرامتة كان معلما حقيقيا و حصلت على الدرجة بتقدير عام ممتاز ( مرفق صورة فوتو كوبى ) .
بعدها أصبح السفر إلى بيروت شديد التعثر بسبب ظروفها الأمنية غير المستقرة ، هنا اقترح علىّ الأستاذ فهيم مصطفى مندوبا عن جامعة كاليفورنيا الجنوبية / الأقسام العربية بالمراسلة عبر مكاتب الخدمات الطلابية ، أن أقدم أوراقي لها على أن يشرف على سير البحث ثلاثة أساتذة مقبمين ومعروفين لديهم ، فكان الدكتور عبد الحميد زايد أستاذ التاريخ القديم بجامعة الكويت مسؤلا عن متابعة الجانب التاريخي للبحث و قد خصص لي يوم الثلاثاء من كل أسبوع لمدة عام كامل مشكورا مأجورا ، حتى أنه أصر على تعليمي بعض مبادئ الكتابة الهيروغليفية حتى لا تلتبس علىّ النصوص محل الاسشهاد ببحثى ، و الدكتور حسن شحاته سعفان احتمل القيام لمتابعة الجانب الإجتماعي في البحث ، أما الأستاذ الدكتور( فؤاد زكرياالمؤسس الحقيقى للتوجة الليبرالى المعاصر / أطال اللة فى عمرة ) فكان المتابع المدقق للعمل كله خطوة بخطوة وفقرة بفقرة واستنتاجا باستنتاج من حيث المنهج و المرجعية و صدق الدلالات ، ثم كان هو كاتب التقرير النهائي الذي وجد فيه مآخذ على رسالتي من قبيل عدم إلمامي الكافي باللغات الأجنبية بالمستوى اللازم لللأبحاث الاجتماعية فى التاريخ الدينى لاتساع مساحتة عبر لغات مختلفة ، و أني لجأت أحيانا إلى الاجتهاد فى الاستنتاج في مواضع لا يحسمها إلا وجود الأثر التاريخي الأركيولوجى ، لكنه انتهى في قراره النهائي إلى استحقاقي الكامل للدرجة العلمية المرشح لها ( مرفق صورة لهذا التقرير ) ، و بموجب هذا كله حصلت على الدرجة و قمت بتفديمها إلى المجلس الأعلى للجامعات ( مصر ) الذي أصدر قرارا في 14/05/1987 بموجب رسم مدفوع بالحوالة رقم 94217/34 بتاريخ 11/05/ 1987 و تم نشر صورتها في قناة الحرة برنامج قريب جدا ، ثم بعدها كانت عودتي إلى مصر مصحوبة بقرار التفرغ الكامل للعمل البحثي ، وقدمت خلال هذه الفترة أعمالي الموجوده بالمكتبات العربية . لأكتشف بعد صدور عملي الأول أن الدرجة لم تعد على مقاسي فلم أعد أصدر بها اسمي ، لأن آينشتين أو داروين أو فرويد كانوا لايسبقون أسماءهم بلقب أضيق من مساحة إنجازاتهم .
هذا حتى فوجئنا بالبحث و التقصي الذي قام به موقع المصريون عبر رجالهم فى أمريكا منذ أيام ، والذي كشف أن الجامعة باسم جامعة كاليفورنيا الجنوبية و ليس جامعة جنوب كاليفورنيا . و الفاصل في المسألة هنا إذا كنت قد اشتريتها بفلوسى فلماذا كان كل هذا الجهد وهذا العمر والسعى ومشقات هذا السعى ونكاليفة المادية وراء متعة المناقشة للتعلم من أساتذة عددهم خمسة اخترت السعى وراء أعتابهم علمونى بشكل شخصى ومباشرمع السفر إليهم أينما كانوا بلدانا وأقاليما ، وما كان أغنانى مادمت مشتريا لورقة لأعلقها على حائط عن السعى للحصول على درجاتي السابقة لها من الجامعات العربية ، وعن العمل أربع سنوات أخرى على رسالة لها جسم موجود ببحث تم تدقيقه من قبل أساتذتنا الكبار، في عمل بحثي يشهد بجهد الباحث و عدد سنوات البحث و فضل الأساتذة المتابعين للعمل وجهدهم فية ، و هو مطبوع و موجود في الأسواق بعنوان أوزيريس و عقيدة الخلود في مصر القديمة ( عنوان الرسالة الأصلى : أثر الأحداث السياسية والاجتماعية فى نشوء عقيدة الخلود الفرعونية وتطورها ) . وهو بالتحديد ( الكتاب / الرسالة ) الذي كان سببا في تعريفي بالدكتور قاسم عبده قاسم ( الذى أنكر غلى درجتى ) بعد أن أبدى لناشر(الرسالة / الكتاب) المفكر الدكتور طاهر عبد الحكيم رغبته في لقائي ، و التقينا يومها في مكتب الدكتور طاهر عبد الحكيم بدار فكر للنشر بمدينة نصر ، وهى( الرسالة/ الكتاب )الذى دفع الدكتور فرج فودة للبحث عنى لنصبح بعدها أشقاء أسرة واحدة ، وهو(الرسالة/ الكتاب) الذى دفع الدكتور نصر أبو زيد للسعى لمعرفتى فكسبت بة صديقا إنسانا ومفكرا عبقريا ، ( وهو الكتاب / الرسالة التى دفعت الدكتور حسن حنفى للمحاضرة عنها ليكتشف أنى كنت أجلس أمامة تلميذا فى قاعات جامعة عين شمس ، والمنشور هو مجرد موجز مكثف لرسالتى . ورغم كل هذا فإني أحترم الدكتور قاسم و علمه و كنت أفخر بأنه ممن أعجبهم كتابي / رسالتي ( و أنا المبتدئ حين ذاك والمدهوش لتقدير هؤلاء الكبارمن أساتذة لجيلى ) ، وكان هو أستاذا شرفت بمعرفتة رغم اختلافى معة جذريا ، و أعدت طباعتها مرة أخرى بنصها الصادر عن المركز المصري لبحوث الحضارة بعنوان : رب الثورة ، و إذا كان الفنيون و الأساتذه بالمجلس الأعلى للجامعات الذين اطلعوا على الدرجة العلمية التى لم أزيفها بنفسى لنفسى ليصدروا قرارهم بالمعادلة ، لم يتبين لهم هذا الفرق والتخليط مابين جنوب كاليفورنيا ومابين كاليفورنيا الجنوبية ، فهل كان من الممكن أن يتبين لنا في زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال و الإنترنت كاليوم للحصول على إجابات دقيقة لكلمة ملتبسه. وهل لو طبقنا هذا المعيار على الجامعات المصرية سنصبح جميعا عرايا حتى من درجة الليسانس أو البكالوريوس ، و بالتبعية لن نكون حاصلين حتى على الثانوية العامة لأنها لا تؤهلنا سوى للجامعات المصرية الغير معترف بها أصلا ، و هكذا تصبح زفتى مثل ميت غمر و خالتي زي خالتك و بينهما يا قلبي يجب أن تحزن ، ولا يبقى لى شخصيا إزاء ما أثير بهذا الشأن من مؤهلات إلا المنجز العملى والعلمى وما قدمتة لأهلى ووطنى فى شكل أعمال مكتوبة ومنشورة ، وما ساهم بة شخصي المتواضع لتحريك الواقع الآسن في بلادنا ، و دوره مع زملاء له كبار (ومهد لهم أساتذة أكبر ) في خلق تيار جديد يثبت وجوده اليوم على الساحة المصرية والعربية بقوة وثقة ، مقارنة بألوف رسائل الدكتوراه في بلادنا التى تكمن حبيسة أرفف الجامعات لا نعرف عنها شيئا إلا إذا سعينا إليها سعيا مقصوداَ للحصول على معلومة مطلوبة من أصحاب التخصص . ومن هنا فإن المعول عليه هو ما كتبت فى أعمالى وهو مناط الأمر كله وهو ماأزعم أنة إنجازى الحقيقى ومحل فخرى واعتزازى وبة أنا فى كفاية وغنى عن أى درجات ، وأتذكر هنا دونما الشعور بأى تحرج رد عباس محمود العقاد على من قال لة : “نريد أن نعطيك الدكتوراة ” فى عبارة متسائلة مستنكرة بالغة الدلالة : ” ولكن من منكم سيعطينى الدكتوراة ؟ ! ! ” .
****
سادتى .. مع هذا الذى يحدث علينا أن نفزع على عقل مصر وشعبها الذى يسمع مجرد السمع فيتحول الناس إلى وحوش ضوارى ، دون أن يستمعوا لنصح ربهم أن يتبينوا ويتثبتوا قبل إصدار الأحكام ، ويقيمون من أنفسهم حراساً للإسلام بأسلحة رديئة تشينة ولا تنصرة ، والإسلام متكامل بذاتة وليس بحاجة إليهم ولا إلى أسلحتهم الفاسدة .
من حق القارئ أن يتساءل : ما الذى كتبته إذن لاستفزهم لهذه الهبة المضرية الكاذبة ؟ … إن ما كتبت كان فى مواجهة الإرهاب الدموى ومناقشة طروحاته بميزان الإسلام نفسه وبميزان العقل والقيم ، إن ما كتبت كان فى بعضة مناقشة لإدعاء الإخوان المسلمين أنهم يملكون الحلول الربانية لمشاكلنا ، فإذا بها فخاخ إبليسية ستأخذنا مع بلادنا إلى مزيد من الخسائر ومن ثم إلى التهلكة ، ولا أجد فرقاً بينهم وبين الجبهة وبين الزرقاوى أو الظواهرى أو الجماعة الإسلامية أو الجهاد أو الجماعة السلفية أو بن لادن أو أبو سياف أو حتى التيار المتأسلم الذى عشش فى مفاصل الدولة المصرية ، فكلهم داخل نفس الجبهة ، وهو ما قاله الشيخ القرضاوى فى كتابه الإخوان المسلمون ، مؤكداً أن كل تلك التيارات والأجنحة من أقصى يمينها إلى أقصى يسارها إما أنها نبت إخوان ، أو ذراع إخوان ، أو زرع إخوان ، أو خروج عن الإخوان . ومن الجدير بالذكر أن الشيخ فى كتابه هذا لم يذكر اسم واحد من كوادر الإخوان إلا ألحقه بعبارة ( رضى الله عنه ) ، لأنهم عندة لا يقلون أبداً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وهنا بيت القصيد والسر غير الخفى وراء كل هذة الشراسة ، لأن سيد القمنى يفرق بين الدين الذى هو على رأسنا جميعاً … ويبن البشر ، يفرق بين الدين السماوى وبين التراث الإسلامى بما فيه من حكايا البشر وسير البشر ، ولأنى أؤمن أن إسلامى يفرض علىّ تنزيه الله وحده وتقديسه وحدة بلا شريك وبلا صحابى ولاصاحبة ولا ولد ، فإنى بموجب هذا الإيمان لا أستطيع أن أسلم بقدسية الصحابة لأنهم كانوا بشراً لا آلهة ، وأن تقديس المذهب السنى أو الشيعى لصحابة دون صحابة ، هو تقديس سياسى وتزييف على الناس وعلى الدين ، فإذا ما نزعنا القدسية عن التراث / البشر ، فإن صلحا سيحدث لا ريب بين الشقين المتقاتلين : الشيعى والسنى ، وتبور بضاعة مشايخ الكراهية فى المذهبين ، ويفقدون الهالة التى يسببها الزى المشيخى أو اللحية الطويلة ويسقط سلطانها على الناس ولا تعود تحمل أى قدسية ولا دافع لقتل بعضنا بعضا ، مما يسمح لعقل المسلم بالعمل ومناقشة ما يطرحه عليه أهل الدين من البشر لأنهم بشر لا آلهة ، ولا يعودون محل استشاراتهم التى وصلت إلى أخص خصوصياتهم حتى أدخلوهم معنا دورات المياة وغرف النوم ، كذلك أعلن أن إسلامى يفرض علىَّ ألا أؤمن بعصمة أهل بدر الذين غفر الله لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر ، حسب قول النبى صلى الله عليه وسلم ، لأن الإيمان بعصمتهم يعنى أنه ليس لهم ذنوب بخلاف الحديث التقريرى ، ولا أعتقد أن شيخا مهما بلغت منزلته قادر على أن يدلنى على الصواب المطلق والنهائى ، وأن للمسلمين عقولا كما للدعاة عقول ، أيضاً لا أؤمن بعصمة المبشرين بالجنة والصحابة والخلفاء ، لأنى أوحد الله وحده لا شريك له فى القدسية والتنزيه ، لذلك كان التراث الإسلامى عندى هو محل النقد والتفنيد والدرس وليس الإسلام كدين ، ومشكلتى معهم أنى لا أركب موجتهم فأنال حظاً من الدنيا كحظوظهم وأعيش الرضى والنور والصبايا الحوركما يعيشون فى البلهنية ، لأنى لا أزيف على قارئى ولا على مستقبل بلادى ، يريدون تقديس كل من رأى الرسول ولو لحظة ، حتى إذا ما تحدثوا حديث الدين ولبسوا لنا ايونيفورم المشيخى حازوا ذات القدسية بالمشابهة ، ليكونوا ممن رضى الله عنهم كما قال الشيخ القرضاوى.
أنا لا أقدس بشراً من دون الله ، أقدس فقط رباً قادراً أن يحجب ضوء شمسة عن أهل الصليب وأصحاب الهيكل وعبدة الأوثان ، لكنه لا يفعل لأنه محب شفوق لكل خليقته وعيالة فى الأرض ، أعبد رباً قادراً أن يحجب مطرة عن الهندوس والبوذيين ويخنص بة المسلمين وحدهم لكنه لا يفعل لأنهم جميعا أولادة وخليقتة ، ولو شاء لذهب بهم وجاء بغيرهم ، وقد أخبرنا جل وعلا لماذا لا يفعل ذلك ، فقال تعالى : ” ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالوا مختلفين / 118 / هود ” ، وأنه ” ولو شاء ربك لأمن من فى الأرض جميعاً ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين / 99 / يونس ” ، وأنه هو القائل ” لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ، ولو شاء ربك لجعلكم أمة واحدة / 48 / المائدة ” .
نعم أنا فزع على عقل مصر بعد هذه الهجمة الوهابية التترية لتكفير المختلف فى الرأى وليس فى الدين ، بحجة حماية الدين الصحيح مع اتفاقهم على تكفيرى ، واتفاقهم أيضا على أنهم لم يقرأوا ما كتبت لأنه( زبالة وكلام فارغ ) ، فكيف لهذا الكلام الفارغ أن يفزعهم كل هذه الفزع حتى قاموا له قومه رجل واحد ليفرقوا دمى هدراً بين فرقهم وقبائلهم ، لقد فقدوا الرغبة فى محاولة معرفة الحقيقة فى كتبها التى تحمل اسمى بتعصب أعمى العقل والعين ، يتصور فى تدينه الظاهرى الذى لا يمس القلب ولا شغاف الوجدان أنه المالك الوحيد للإسلام ، وأنة الوحيد الذى يملك الفهم الحصرى للإسلام ، وهوعندى ليس سوى اغتصاب علنى لحق من حقوق اللة وخاصيه من خصوصياتة وحده .
كل هذه الحملة لإقصاء كلام مختلف عما عودوا المسلمين عليه ، لأنة كلام يسحب عنهم القدسية ويسقط عنهم الوجاهة الإجتماعية والسيادة ، فلا يعودون لنا (مولانا ولا سيدنا ) ، لأن مولانا وسيدنا هو الواحد الأحد وحدة بلا شريك ولانظير ولاقرين ، يريدون اغتيال الكلام ، مجرد الكلام ، الكلام المختلف ، حتى لا نعود نميز بين الصواب والخطأ . ولو كان كلامى خطأ فلماذا لايتركونة ليبين لهم بالمقارنة صوابهم وسلامة موقفهم أمام الناس ؟ أم أنهم يعلمون صوابة وأنة يكشفهم أمام المسلمين المخدوعين فيهم لذلك يحرمونة ويكفرونة حتى يصرفوا الناس غن معرفتة ، وإذا كانت هبتهم خالصة للة فلمذا سكتوا وصمتوا منذ صدور كتاب الحزب الهاشمى منذ عام 1988 وحتى الآن . أم أن الإسلام لم ينقح عليهم إلا هذة الأيام ؟
أكرر ولا أمل التكرار : أرفعوا أيديكم عن ديننا فهو كامل بذاتة مستغن عن دفاعاتكم الرديئة لأهداف لا علاقة لها بديننا . ولترفعوا أيديكم عن أدمغة المسلمين حتى يصحوا ويتعافوا ، ولتخرجوا أيها السادة من حياتنا ، فللمسلم أن يستفتى قلبه ولو أفتوه (قالها ثلاثاً / صلى اللة علية وسلم ) ، وأن ديننا سهل يسير لو استبعدنا كل إضافاتكم إليه عبر الزمان ، حتى حولتم الشريعة من مسائل تعد على أصابع اليد الواحدة إلى ما يزيد عن عشرة آلاف مسألة ، وتسمونها الشريعة الإسلامية وهى من وضعكم دون وحى يوحى إليكم لتركبوا أكتافنا بها ، مع عدم قدره المسلم العادى على الإحاطة بمجلداتكم الألفية ولنا النصر الأكيد والمؤزر لأننا نستخد أسلحة غير فاسدة لاترتد فى وحوهنا ، وما عدنا والله نركع ولا نذل لخليفة أو لرجل دين ، وهذا حالكم وهذا أسلوبكم وطرائق حروبكم بكل الأسلحة الرديئة التى لاتعرف تعففا عن الكذب ، من أجل مكاسبكم ومناصبكم وحلمكم بالكرسى الأعظم فى الوطن ، وليس من أجل الناس أو الدين أو الوطن . . فإلى اللة وإلى الوطن أشكوكم


* * *
دروب
5 / 8 / 2009

Monday, August 03, 2009

بابل .. مجزرة الصدف المدبرة

ما هي العلاقة المحتملة التي يمكن أن تربط بين القصص الآتية :

أحد الرعاة بالمغرب يشتري بندقية من راع آخر مسن ويعطيها لولديه كي يقتلا بها الثعالب التي تهدد أغنامهم .. سائحة أمريكية تصاب بطلقة أثناء مرور الحافلة التي تستقلها برفقة زوجها وسياح آخرين .. فتاة يابانية صماء تعذبها بلادة الآخرين وتجاهلهم لمشاعرها الأمر الذي يدفعها لتسول الحب .. مربية مكسيكية ترعى طفلين أمريكيين تضطرها الظروف لاصطحابهما معها إلى المكسيك لحضور زفاف ابنها لكنها تتعرض لصدام مع حرس الحدود الأمريكيين عند عودتها ؟

هل يمكن حقا أن تكون العلاقة هي أن الذي أهدى البندقية للراعي المسن هو والد الفتاة اليابانية بعد أن عمل كمرافق له في رحلة صيد وأن الطفلين اللذين كانت المربية المكسيكية ترعاهما هما طفلا السائحين الأمريكيين اللذين كانا يستقلان الحافلة أثناء رحلتهما داخل المغرب وأن الطلقة التي أصابت الزوجة أطلقها أحد ولدي الراعي المغربي حينما قررا اختبار المدى الذي يمكن أن تصل إليه طلقات البندقية ؟

من الممكن أن تكون هذه هي العلاقة بالفعل باعتبار أنه يمكننا تحديد الأسباب المنطقية التي تربط بين الأحداث ورصد المبررات الكامنة في كل قصة التي تسمح لقصة أخرى أن تخلق على أساسها .. لكنني أتصور أننا نحتاج للاكتفاء بالعلاقة السببية المباشرة حينما نكون إزاء مجموعة من الشخصيات والأحداث التي تتفاعل لإنتاج قصة .. ماذا لو كان هذا التفاعل يتم بين قصص ؟ .. قصص تنتج قدرا أو مصيرا مشتركا ؟ .. هنا الأسباب المنطقية لا تعد أسبابً في حد ذاتها بقدر ما هي حيل سحرية غامضة ومرعبة بمنتهى الإحكام للدرجة التي ترسخ للعجز الإنساني عن إدراك أي نجاح في فهمها .. الأسباب هنا تواطوء خارق من المهارات الإعجازية للغيب .. بشكل أدق للحكمة المجهولة المختبئة في هذا الغيب كي تراقب وتتحكم في الزمن والبشر وتنفذ مشروعها الملغز بكفاءة كاملة وبحصانة لا تخدش ضد أي استيعاب لحقيقة قدراتها ومقاصدها .. الأسباب المنطقية التي تربط بين القصص ليست أسبابً بقدر ما هي مفاجآت سيئة للإمعان في تعذيب ضعفك الشخصي المدعوم بفشلك التام في الإمساك بأي معرفة أو يقين ثابت داخل فوضى العالم المحسوبة والمنظمة بقوانين ومعادلات خفية .

لكل قصة في فيلم ( بابل ) استقلاليتها وحبكتها الدرامية الخاصة وأيضا النهاية التي تفصلها عن النهايات الأخرى : الشرطة المغربية التي تعاملت مع حادث إطلاق النار باعتباره عملا إرهابيا تطارد الراعي وابنيه وتقتل الولد الأكبر .. السائحة الأمريكية ( كيت بلانشيه ) تعالج في قرية غاية في البوءس والفقر على يد طبيب بيطري قام بخياطة جرحها دون مخدر حتى نجح زوجها ( براد بيت ) في الحصول على مساعدة السفارة الأمريكية لنقلها إلى المستشفى .. الفتاة اليابانية الصماء يمنحها للحظات ضابط ياباني شاب التعاطف والاحتواء أثناء عمله المكلف به للتوصل إلى علاقة والدها بالبندقية التي استخدمت في الحادث .. المربية المكسيكية تجبرها السلطات على الرحيل من الولايات المتحدة الأمريكية بعد اكتشاف اقامتها غير الشرعية لسنوات طويلة .

مخرج الفيلم ( إليخاندرو غونزاليس ) يخبرك إذن أنه مهما كانت قصتك مستقلة وتمتلك حبكتها الدرامية الخاصة ولها نهايتها المنفصلة عن النهايات الأخرى فهي تظل دائما مأساة تنتمي إلى نفس القدر وتصل إلى نفس المصير .. أنت في جميع الأحوال غريب عن المكان وعن البشر وعن نفسك .. أنت دائما مرفوض على مستوى اللغة والثقافة والوعي بالعالم .. عاجز عن التواصل ويساء فهمك مثلما تسيء فهم الآخرين .. لا يوجد أحد ولا يوجد شيء يضمن لك المساعدة أوالحماية من الأحكام القدرية المخبوءة التي اتخذت ضدك .. أنت أحد المحاصرين داخل أسطورة ( بابل ) الكونية التي تعيش حية في روحك .. أسطورة العهد القديم التي تحكي عن الرب الذي بلبل ألسنة البشر حينما كانوا شعبا واحدا يتكلم بلسان واحد وقرروا تشييد برج يصل بهم إلى السماء فأصبحوا غير قادرين بعد هذه البلبلة على فهم بعضهم البعض ومن ثم فقدوا القدرة على إكمال البرج .. إذن الجميع ليسوا إلا غرباء .. الغربة هي القوة الغليظة الخانقة والعنيفة التي تحرك حياتك في مسارات الوجود المعقدة دون أن تترك أي فرصة للهرب لأن القرار ببساطة ليس في يدك .. ليست الغربة فحسب .. أيضا العبث المراوغ المبرمج بخبث على الأذى والذي يتحكم بوعي وحشي غير مدرك في الدنيا ويجعل أي فعل في أي مكان من أي أحد مهما كان عاديا وعابرا وضئيلا للغاية يحدد ويقرر الحياة والموت لبشر آخرين في مكان آخر بعيد جدا .. في ( بابل ) لا توجد أسباب ونتائج في حضورها التقليدي المباشر .. هنا أي سبب يصلح لأي نتيجة بل وفي حقيقة الأمر فإن كافة الأسباب هي نتائج بالأساس وكذلك النتائج هي أسباب لنتائج أخرى وجميعها تعيش حالة أزلية من الصراع والتصادم الأشبه بالفوران الذي لا يهدأ لكونه يبدو مكلفا بمهمة ما .
بالطبع يمكن تناول الفيلم من أكثر من منظور وأكثر من رؤية : هاجس ما يسمى بالإرهاب في صورته الدعائية والهزلية المروّجة بغرض تثبيته ككابوس يحمي مصالح الغرب فيما بعد 11 سبتمبر ويحق له بتبرير من أخلاقيات مخادعة عن حق العيش في أمان والدفاع عن النفس أن يجبر أي كائن على الخضوع لسلطته ولشهوته الدموية .. العولمة كهوية ملتبسة ومشوهة تريد فرض هيمنتها على مختلف شعوب الأرض وتهميش أي قناعة أو انحياز إنساني مغاير ومحو أي ثقافة مضادة أو منجز حضاري بديل لصالح مشروع استعماري مؤسس على ثورات تكنولوجية لا يمكن التنبؤ بالحد الذي يمكن أن يصل إليه تطورها المتواصل والمحموم والذي جعل من ( الاتصال ) إلها يعيد خلق العالم بمعجزات تقرب بين البشر ليس من أجل ( التواصل ) وإنما لإشعال حروب معرفية متصاعدة الشراسة .. عدم التحيز الذي أراه واضحا لدى مخرج الفيلم والذي نجح في رأيي في خلق إيقاع متزن تنسجم فيه المشاهد التالية مع بعضها : الوجوه البائسة لنساء القرية المغربية الفقيرة والتي بدت بيوتها كمدافن متناهية الضيق أو كسجون بدائية موحشة وخانقة بالتخلف والقذارة تدفعك لأن تتساءل : كيف يمكن لكائن حي أن يتحمل العيش فيها ؟ .. التعذيب والقتل الذي تمارسه الشرطة المغربية ضد النساء والأطفال والشيوخ كأنه مجرد روتين ممل .. الوحشية العنصرية لحرس الحدود والسلطات الأمريكية في التعامل مع المربية المكسيكية .. طرد طبيب الأسنان للفتاة اليابانية الصماء بقسوة من عيادته بعد أن حاولت أن تحصل منه على أي عاطفة حسية .. شقيق المربية المكسيكية وهو يقتلع رأس الدجاجة بيده .. دلالة هذا الإيقاع اللامتحيز تسعى لهدم التفرقة التقليدية بين الشرق والغرب .. ما يحدث في المغرب هو مايحدث في اليابان هو ما يحدث في المكسيك هو ما يحدث في أمريكا .. الفيلم إذن يحرّض على اكتشاف تنويعات مختلفة على فكرة واحدة وهي القهر .. القهر كطبيعة وجود يتحقق الكون من خلال أشكالها وطرقها المتعددة ذات الختام الذي لا يتغير .

مع كل هذه الرؤى المختلفة السابقة أتصور أن فيلم ( بابل ) يستحق أن يتم تناوله بمنظور يتجاوز الإرهاب والعولمة والتحيز أو اللاتحيز عند مقاربة الشرق والغرب في سياق واحد .. الفيلم يستحق تناوله بوعي يربطه كقيمة إنسانية بما وراء الثنائيات المتضادة المعتادة : الحياة والموت .. الخير والشر .. الجمال والقبح ... إلخ .. يستحق أن يتم التفكير فيه كجدل لا يعترف بالإجابات القريبة السهلة التي لا تفسر شيئا ولا بالحلول الجاهزة الفاشلة التي لا تنقذ أحدا .. فيلم ( بابل ) أقرب لحزمة تساؤلات مشحونة بطاقات متجددة تريد أن تصل لأبعد مدى ممكن داخل العتمة الأزلية المحكمة السابحة وراء كل الإجابات والحلول والتي أراد مخرج الفيلم تحويلها لحقل تجريبي كي يختبرها من خلال أرقه الخاص : الولد ( يوسف ) الذي أصابت رصاصته الطائشة السائحة الأمريكية يمارس العادة السرية وهو الذي تعوّد على مشاهدة أخته ( زهرة ) تتعرى من أجله .. الفتاة اليابانية الصماء تخبر الضابط الشاب أن أمها انتحرت بالقفز من النافذة ثم يعرف من والدها أن الأم لم تنتحر بهذه الطريقة وإنما أطلقت النار على رأسها وحينما يصعد الأب إلى البيت يجد ابنته تقف عارية في الشرفة فتبكي في حضنه بعد أن بدا وكأنها كانت تفكر في إلقاء نفسها .. المربية المكسيكية تقابل في حفل زفاف ابنها حبيبها القديم بعد وفاة زوجته وتعيش معه لحظات حميمية مختلسة .. حسنا .. لماذا لا يطلق الولد المغربي رصاصة إذن ؟ .. لماذا لا تفكر الفتاة اليابانية الصماء في الانتحار ؟ .. لماذا لا تتحسر المربية المكسيكية على زمن لن يرجع للوراء ثانية لتحصل على ما لم تستطع تحقيقه وقد أصبحت عجوزا الآن ؟ .. كان يجب أن يحدث كل هذا لأننا جميعا عالقون ببراعة في شبكة عنكبوتية من الكبت والحرمان تربط بين آلامنا كلها وبالتالي فإن مخرج الفيلم يضع إشكالية ( المسؤلية ) في نطاق التشريح والمحاكمة بناء على وقوعنا في هذه الشبكة ؛ فما معنى المسؤلية الفردية طالما أن ( الفردية ) هنا يشكلها ويحددها ويتحكم في قدرها ومصيرها ( أفراد ) آخرين وأحداث أخرى وأزمنة أخرى لا تخص من يخضع لها وتؤثر في وجوده كليا .


في أحد مشاهد الفيلم كانت الفتاة اليابانية الصماء ترقص بفرح في صالة ديسكو بصحبة صديقاتها حتى شاهدت الشاب الذي كانت تتمنى لو أحبها يرقص ويقبّل فتاة أخرى وهنا كتم مخرج الفيلم جميع الأصوات : الإيقاعات الصاخبة وصياح الراقصين وضحكاتهم العالية .. تحوّل الفيلم في تلك اللحظات إلى مشاهد صامتة متوالية لوجه الفتاة اليابانية الصماء وهي تتأمل بمرارة ويأس الشاب والفتاة مع ومضات خاطفة لأضواء الصالة الأشبه بصفعات برق قوية وعنيفة انتهت بخروج الفتاة اليابانية من المكان .. كتم الصوت في هذه اللحظات يهدف بالأساس لتحويلك من مجرد متفرج يشاهد تعاسة هذه الفتاة إلى أن تكون أنت الفتاة نفسها .. أن تصبح أنت نفسك أصما ومجروحا فجأة .. أن تكون الدنيا ساكتة من حولك كقبر بارد بينما تكون مجبرا على أن تظل عيناك مفتوحتان كي تتطلع إلى أشياء العالم وهي تتراقص وتومض كأشباح براقة سعيدة ومحتفلة بهزيمتك وأنت لا تستطيع أن تتكلم أوتقول أي شيء .. هذه الطريقة التي تم تنفيذها بمهارة والتي لا أصادفها كثيرا في معظم الأفلام السينمائية أتذكر أن المخرج البلجيكي ( جاكو فان دورميل ) استخدمها بنفس الجمال في فيلمه الساحر ( اليوم الثامن ) حينما جعل ( جورج ) صديقه ( هاري ) يستلقي بجواره على العشب ويغمض عينيه مثله لمدة دقيقة واحدة من الصمت ويخبره أنه حين يتخيل نفسه يحتضن شجرة سيصبح شجرة وحين يفكر في نحلة سيصبح نحلة وحين يفكر في أحبابه حتى الموتى منهم سيجدهم جالسين معه ويطبطبون عليه .. كانت دقيقة الصمت كاملة فعلا من زمن الفيلم ومن زمن المشاهد الذي أصبح هكذا هو الثالث الذي يشاركهما الاستلقاء على العشب وإغماض العينين والتخيل .

شخصيا يصيبني دائما شعور بالحسرة الممزوجة بالغضب حين أشاهد لأول مرة فيلما رائعا أكتشف مرور فترة طويلة على انتاجه خاصة حينما تكون روعته لدرجة الإذهال كـ ( بابل ) .. لكن فيلم ( بابل ) نفسه هو الذي منحني الحماية للمرة الأولى من هذا الشعور .. جعلني أعرف أن حدثا ما لا أعرفه وقع في مكان مجهول من العالم وفي زمن غامض تسبب بقصد في أن تمر هذه السنوات دون أن أشاهد ( بابل ) .

Sophie's Choice (1982) Trailer

Dangerous Minds Trailer

Monday, July 27, 2009

قراءة في ( شارع بسادة ) لـ سيد الوكيل



في نهاية روايته ( العين ) يخبرنا ( فلاديمير نابوكوف ) بأنه أدرك أن السعادة الوحيدة في هذا العالم هي أن تلاحظ ، تتجسس ، تشاهد ، تتفحص ذاتك والآخرين ، أن تكون مجرد عين كبيرة .. أتصور أن ذلك ربما يعني أن تكتشف من مراقبتك ورصدك للعلاقات والأشياء والأحداث أسئلة متجددة ومعان محتملة للوجود وأيضا هواجس تخوض من خلالها مغامرات تأمل مختلفة لاختبار الحقائق الممكنة عن العالم .. هل هذا ما كان يفعله الولد البدين الخجول في نوفيللا ( شارع بسادة ) والذي تركته أمه عند جدته يبكي من قسوة المسافات البعيدة ومن البنت التي لم تحبه رغم الورود والأغان التي كان يدسها في حقيبتها المدرسية وأيضا من الأولاد الذين كانوا يجرون خلفه ويهتفون : ( ابن الحلوة آهه ) والذين لم يقدر على رفع عينيه فيهم فراح يرسم شوارع ويبني بيوتا ويجعل ناسا يسكنونها ؟ .
هناك أفكار ومشاعر مرتبطة بالخيال الناجم عن الوحدة والقهر تدفعك أحيانا لأن تكون إلها بديلا أو على الأقل وسيطا خفيا بين الإله والدنيا يقوم بإعادة خلق الحياة من جديد بطريقة آمنة داخل عزلته وفقا لما تحتاجه الروح من أجل تعويض هزائمها وإخفاقاتها في العالم الواقعي .. إعادة خلق الحياة أي أن تعيد إنتاج حكايات البشر من خلال إلهامك الشخصي و عبر الإنحيازات والقناعات الإنسانية التي تشكل تجربة العيش التي تخوضها وتدفعك طوال الوقت لتشريحها وتفحص مكوناتها بشكل متواصل .. قد تتخذ مسيرة الوعي الخلاق طرقا مختلفة لا يمكن تحديد الحدود الفاصلة بينها بقدر ما يمكن اكتشاف صلات الاندماج الواردة التي تكسب هذه الطرق طبيعة مشتركة فمثلا قد يحدث نقل محايد للواقع من عالمه العادي إلى عالم العزلة مع إجراء تحريفات محسوبة في شروط هذا الواقع وقوانينه ولكنها تحافظ في نفس الوقت على المنطق التقليدي الذي يحرّك تفاصيل هذا الواقع .. قد يحدث أيضا تحريف غرائبي لا يلتزم بهذا المنطق التقليدي وإنما يستبدله بمعادلات وأحكام مغايرة متحررة من أي قواعد تريد إخضاع الأشياء لسيطرة خبرة جاهزة ينتمي إليها كل ما هو معقول ومستوعب ومفهوم بداهة .. قد يحدث كذلك خلق حياة غرائبية كاملة لا تحتاج لأي تحريف باعتبارها منفصلة تماما عن العالم العادي للواقع ومتخلصة من كافة شروطه وقوانينه .
الغواية في ( شارع بسادة ) كانت هي الهم الخاص للولد البدين الخجول والذي تحول من مجرد هم فردي إلى أرق وجودي يحرضه دائما على الاشتباك مع الحقيقة المراوغة لدور الملائكة والشياطين ومسؤليتها في الإغواء الذي كان بمثابة القدر المسيطر والمتحكم في حياته وحياة الآخرين .. الولد البدين الخجول الذي نسيته أمه عند جدته لسبع سنين هو الذي لم يكن يريد من الدنيا شيئا سوى أن يبقى في حضنها وقتا آخر وأن تقبله من شفتيه الممتلئتين قبل أن تلقي وصاياها وتتركه وهو الذي رسم صورتها في خياله حتى لا يغيرها الزمن : الفستان الأخضر .. الحزام الأحمر .. الخصر النحيل .. الوردة الحمراء على صدرها .. الشعر الأسود .. هو أيضا الذي انتبه لانحسار فستانها قليلا حين جلست على ركبتيها وأبقت وجهها الجميل قريبا من وجهه لتؤكد عليه بألا ينس بأنه ابنها هي وأن الرجل الذي رآه في سريرها أحبها كما أحبها أبوه وأكثر .. الولد البدين الخجول هو الذي أخبرته جدته بأن دودة نجسة في فرج أمه تلتهم الرجال وهذه الدودة هي التي قتلت أبوه بأن مصته حتى جف على عوده .هناك علاقة حسية ما تريد تثبيت نفسها كمركز دلالي في النوفيللا بين الولد البدين الخجول وأمه .. علاقة متوهجة بالتوترات الموجعة للرغبة وآلام الانفصال والفراق وطاقات الخيال النشطة التي يشحنها التباعد والشوق .. الأم الجميلة التي تخلت عن ابن يحاصره الأذى النفسي الكامن في غيابها وفي تذكير جدته والأولاد له بجمال أمه وشهوانيتها وهو الذي أصبح منسيا ومهملا ومحروما من هذا الجمال الذي ربما يستمتع به آخر .. ما الذي في الحياة يجعل الأم هكذا ؟ .. ربما كان هذا التساؤل هو بداية الصداقة التي نشأت بين الولد البدين الخجول وبين الملاك الذي أوحى له أن يحفر الوجوه على حوائط الطين وأن يحادثها فإذا أعجب بها الله سيمنحها أرواحا ملونة .. صار الطفل نبيا إذا .. محملا بمسؤلية الكشف عن أسرار الغواية وما تخبئه من ممارسات معقدة للملائكة وللشياطين .. الطفل صار نبيا بقرار من مخيلته المحمومة بهواجس مأساته الشخصية والمسؤلية التي حملها هي قرار ذاتي استجابة لجروح متسعة في ذاكراته أما الملاك فهو الصدى الحميم للسؤال الصعب المحفور في أعماق نفسه عن العشق والجمال .
حكايات الناس التي رسمها الولد البدين الخجول هي تنويعات مختلفة على حكايته هو الأمر الذي يجب معه تجاوز أين ينتهي الواقع وأين يبدأ الخيال سواء بالتلاحم بين الأسطورة وهذا الواقع أو بتحريفات مقصودة غير منفلتة من قوانينه المعتادة بحيث تظل هذه التحريفات واقعية أيضا .. هو تناول للعالم ورصد لزوايا وأبعاد معينة منه تتحدد طرقه وأشكاله وفقا لخصوصية استيعاب كل منا للحياة والموت .. ما استوعبه الولد البدين الخجول عن نفسه وكل ما صادفه وجربه خاصة في علاقته بأمه هو نفس ما اكتشفه في حكايات ( علي ) و( مارسا ) و ( نادية ) و( زينب سليمان ) و( ناشد ) و( سمير وهدان ) و( سيدة ) و( حسونة ) و( عنتر ) .. اكتشف حالات أخرى لنفس الغواية .. هذا الاكتشاف هو في حقيقته محاكمة لليقينيات المعروفة والسائدة المرتبطة بـ ( الملاك ) و( الشيطان ) .. إعادة إنتاج حكايات البشر هنا الغرض منه بالأساس هدم الثوابت المقدسة والمعتقدات التقليدية لصفات الملائكة والشياطين ومهمتهم البديهية في الكون عبر الزمن .. الملاك ليس الكائن النوراني المتواري الذي يتدخل لإنقاذ المأزومين ويمنح الفرح والسعادة للتعساء ويقود الضالين إلى طرق الخير والهداية كما أن الشيطان ليس الكائن القبيح البشع ومنبع الشر النشط دوما للوسوسة في نفوس الضعفاء وتضليلهم في متاهات الغواية .. الملاك لم ينقذ أحدا .. لم ينقذ أم الولد البدين الخجول من الغياب عن ابنها ولا الولد الذي يرسم الشوارع والبيوت والناس من الوحدة والفشل العاطفي .. الملاك لم ينقذ ( زينب ) من اللحظة التي تسللت فيها أصابع ( علي ) تحت فستانها ، ولا ( مارسا ) من اللحظة التي وضع فيها ( علي ) كفه على نهدها الذي فوق القلب ولم ينقذ ( علي ) الذي قتله ( ناشد ) داخل دكان قديم قذر .. الملاك لم ينقذ ( نادية ) من شيخ الجامع الأعمى ولا ( سمير وهدان ) من تمزقه بين روحه الأنثوية وجسده الذكوري .. الملائكة سمحت لهذه الحكايات أن تبدأ وتنتهي هكذا دون أن توفر الحماية لأحد .. في المقابل كيف يمكن القبول بمسؤلية الشيطان كإجابة سهلة محفوظة للرد على كافة التساؤلات الممكنة الساعية لتفسير الغواية ؟ .. الغواية ليست مجرد احتمال أو مصادفة من الجائز أن تحدث أو لا تحدث وليست مجرد تواطء أو تحالف وارد بين شيطان ونفس فاسدة .. الغواية طبيعة وجود أصيلة تتحكم في أقدار ومصائر البشر الذين تقودهم الرغبة في الحياة وتسيطر على حواسهم ضرورة المتعة في مواصلة العيش .. الأمر إذن يتجاوز الصراع أو الاشتباك المألوف بين الملاك والشيطان .. الأمر عبارة عن جدل لا ينتهي ولا يهدأ حول المعنى الغامض المختبيء في الغيب .. الحكمة في أن تكون الدنيا والإنسان هكذا .. لماذا يجب أن تحدث الأشياء بهذه الطريقة ؟ .. ما المفترض أن يصل إليه كل هذا ؟ .
( شارع بسادة ) ليس مكان مقفلا بقدر ما هو فضاء قدري ملتبس من الحكايات المتجاورة والمتداخلة لا تتفاعل داخل حدود ملموسة وإنما تسافر عبر الكون والزمن متجاوزة حتميتها الاجتماعية لتحقق انتماءها لمشروع الخلق نفسه وعلى هذا تريد أن يتم استيعابها كجزء من النسيج المعتم الأزلي الذي تتشكل منه النوايا الملغزة لهذا المشروع وترتيباته وخطواته التي يواصلها بإصرار متقن للغاية .
اللغة الغنائية في ( شارع بسادة ) لم تكن لمجرد انتاج جماليات غنية من التشكيل السردي تتجاوز الحكي وإنما لأن المحكي عنه أصلا ممتد بين الواقع والحلم .. الغواية حالة تداخل وامتزاج وحشي بين العادي والأسطوري لا تقاربهما اللغة بوصفهما عالمين منفصلين ينبغي الربط بينهما وإنما كعالم واحد تتشارك داخله الصفات والطبائع ولا يسمح بالاستقرار على هويات مختلفة تتباعد أو تتواصل بصلات محددة .. مخلوقات الغواية بالضرورة ليست مجرد أجساد مشروطة بالقوانين المادية وإنما أوعية بشرية تحوي أرواح بدائية وطقوس وأشباح وأصوات من الماضي البعيد .. اللغة بطيعة الحال في ( شارع بسادة ) كانت تكشف طوال الوقت وبتزامن لحظي عن الخلفية الأسطورية للمحكي المحسوس فيظل كيان واحدا متماسكا بأبعاد متنوعة يمثل حزمة دلالات محتشدة وهائلة لا يمكن التنبوء بالحد الذي ستتوقف عنده عن التوالد .
ربما يريد ( سيد الوكيل ) أن يخبرنا إذن بأن الغواية هي أكثر ما يعيد إلى ذواتنا أرواحها البدائية الممسوسة بالرغبة بكافة أفراحها وهواجسها وآلامها .. تعيد إلى الحاضر ذاكرته المتخمة بصور ومشاهد حلمية عن أزمنة سحيقة كان الخام النقي للعشق والجمال يطبخ خلالها في طقس أسطوري ستظل روائحه وأصداءه نشطة في دماءنا .. ربما يريدنا أيضا ألا نتوقف عن مساءلة ومحاسبة الملاك والشيطان اللذين بداخل كل منا .. إذا نجحنا في الفصل الحاسم بينهما .. إذا نجحنا في العثور عليهما أساسا .

الروائي سيد الوكيل في جماعة إضافة






















Monday, July 13, 2009

الثقب الذي لا يعنينا في الساحر الطيب



اطمئني يا طفلتي فأنا لن أصدقه أبدا .. أعرف تماما أنك لم تكوني بالنسبة له أكثر من سيجارة ملغومة كان عليها فقط أن تستسلم في صمت لاحتراقها التدريجي بين إصبعيه برفقة أمنياته العميقة بأن يخرج من فمه مع دخانها للأبد كل القتلة الذين يعيشون بداخله .. صدقيني مهما فعل فلن أقتنع أبدا بأنك كنت سيئة أو بلهاء أو خبيثة أو بلا قلب .. لن أصدق أن الدموع التي أضاءت بخفوت في عينيك وأنت تغنين بيننا ( شجر اللمون ) في المقهى لم تكن حقيقية .. لن أصدق أن الإغماءة التي أصابتك فجأة ونحن على وشك العودة إلى بيوتنا آخر الليل والتي قلتِ لنا فيما بعد أنها كانت بسبب عدم النوم وشرب البيرة والقهوة والسجائر بكثرة على معدة خاوية .. لن أصدق أنها كانت تمثيلا متقنا منكِ .. لن أصدق أنكِ حين سألتيني : ( هو الحب ده يعني إيه بالظبط ؟ ) ونحن نسير في الشارع بعد خروجنا من الحفلة التي غنيتِ فيها ( زهرة المدائن ) .. لن أصدق أنكِ كنتِ تمتلكين بالفعل الإجابة المقنعة بالنسبة لكِ ولكنكِ أردتِ فقط التعرف على إجابتي لاستخدامها في حيلة شريرة ضدي فيما بعد .. لن أصدق أن فرحتكِ الكبيرة وأنت ترينني علبة المكياج والملابس ( البناتي ) التي قررتِ شرائها فجأة كي تجربي العيش قليلا كأنثى عادية .. لن أصدق طبعا أنها كانت فرحة زائفة .. الملابس التي لم أركِ ترتدينها أبدا وعلبة المكياج التي حين استعملتيها لم أجروء على إخبارك بأنها أهانت الحزن الغامض والبريء الذي شكّل ملامحك بحرفية عالية وجعلها جميلة دون الحاجة لمكياج وبصرف النظر عن معايير الجمال التقليدي لدى الآخرين الذين كانت تبدو على بعضهم الرغبة أحيانا في أن يطلبوا منك أن تحمدي الله كثيرا لأنه أعطاك نهدين بارزين إلى حد ما ومؤخرة ممتلئة بدرجة كنوع من التعويض عما حرم وجهك منه .. لن أصدق أنك ابتسمت بسخرية باردة في وجه شاعر العامية قصير القامة حين صارحكِ بحبه لكِ وأنكِ ذبحتيه بتساؤلكِ المتهكم : ( إزاي ها امشي في الشارع أو ادخل في مكان ودراعي في دراع واحد أقصر مني ) .. لن أصدق أنكِ كنت تتظاهرين بالألم بعد خروجنا من منزل الصديقين الذي قضينا فيه سهرتنا حينما ظللت صامتة لفترة طويلة ثم سألتيني فجأة عن لماذا يجعل الله رجلا وامرأة يتزوجان وهو يعلم أنهما سيتطلقان في النهاية بعد سنوات ولماذا يتركهما ينجبان فتاة وهو يعلم أن افتراق والديها سيظل جرحا مفتوحا دائما في روحها ولماذا يمنح هذه الفتاة صوتا جميلا وهو يعلم أنها ستظل تغني دائما دون أن تعثر على الأغنية التي تجيب على أسئلتها ؟ .. لن أصدق أن اشتراكك المفاجيء في مظاهرات حركة ( كفاية ) وأنتِ التي كنتِ تكرهين المناقشات ثقيلة الدم لأصدقاءك في السياسة وأيضا الظهور في الكافيهات مع أصحاب جدد كانوا يختفون فجأة بنفس السرعة التي يدخلون حياتك بها والذين كنت تحاولين دائما خلق انطباع لدى كل من يشاهدك تجلسين مع أحدهم بأنكما عاشقان سعيدان ثم زواجك الذي انتهى بالطلاق بعد فترة قليلة من رجل توفرت لديه كل المميزات التي كنت تحتاجينها وتبحثين عنها دائما : العمر الكبير .. المهارة في الاحتواء .. الشعر الأبيض .. الاتزان النفسي .. الخبرة العميقة بالحياة وبالزواج المدعومة بتجاربه السابقة .. لن أصدق أن كلها كانت مجرد فصول مبعثرة لمسرحية كنت ( تشتغلين ) بها العالم كي تثبتي له ولكائناته ولنفسك أنه لا يعنيك في شيء وأنك قادرة في أي وقت وبمنتهى السهولة على التلاعب بقوانينه وعلاقاته وشخوصه لا لشيء وإنما لرغبتك في علاقة جديدة مع الدنيا قائمة على الاحترام المتبادل بعد أن سبق وأقررتِ باحترامك العظيم لبراعة هذه الدنيا في الأذى .. لن أصدق أن حالتكِ البشعة التي ظهرتِ عليها فجأة بعد غيابك لفترة طويلة جدا لم يعرف خلالها أي أحد عنكِ شيئا : النظرات التائهة .. السواد الثقيل حول العينين .. الابتسامة الخائفة .. ارتعاش اليدين .. الكلام الغير مترابط عن الحياة والموت والذي تتخلله دون مبرر ضحكات قوية مفاجئة الأمر الذي جعل من تبقى من أصدقاءك الذين قابلتيهم صدفة عند مرورك على أماكن لقاءاتكم القديمة جعلهم يصافحونك بتردد وحذر ثم يتحججون بأي عذر ليهربوا سريعا من الجلوس معكِ .. لن أصدق أن هذه الحالة كانت مجرد خدعة ضرورية جدا في خطتك للعودة إلى قلوب الآخرين التي طردوك منها بعد أن استنفذوا كل قدراتهم على تحمّل تقلباتك المزاجية الحادة وانفعالاتك الغريبة الغير متوقعة وأيضا الإنصات لتجاربك الوهمية مع الانتحار الفاشل ولحكاياتك الأخرى التي كانت تبدو أحيانا مجرد هلاوس تافهة أو تكرار ممل لقصص معادة من الماضي بطرق مختلفة .
اطمئني يا طفلتي فأنا لن أصدقه أبدا .. أعرف أنه كان مثلهم جميعا .. يريدك أن تنقذيه أو توفري له أي قدر من الحماية بدلا من كل الآلهة والملائكة والأنبياء والقديسين الذين انتظرهم طويلا دون أن يشم رائحة أي منهم ثم قرر أن يعاقبك بأي شكل على فشلك في تغيير العالم من أجله .. أنا لست مثله إطلاقا .. أنا أعرف أنك طفلة فحسب وليس أي شيء آخر .. اطمئني .. أنا لن أصدق نفسي أبدا .

يغيب المطلق فيحضر الأسى


يبحثون عن المطلق. ولأن لا وجود لما يبحثون عنه سوى في مخيالهم، تراهم حزانى، وفي غير قليل : آسين. إنهم معشر الشعراء يا سيدي. أصابتهم هم أيضاً الجرثومة. تلك التي لا شفاء منها، مثل سرطان متقدّم في الغدد اللمفاوية. قال صاحبهم ذات يوم : ( ما أبتغي جلّ أن يُسمى ]. لم تكن كلمة المطلق معروفة آنذاك، وإلا لقالها. ولكنهم يعرفونها اليوم، وبعضهم يقولها عن إحساس عميق، وبعضهم عن مجاراة لما يقرأ.المطلق : اليوتوبيا : أو بكلمةٍ : دنيا غير هذه الدنيا، وعالم غير هذا العالم. ألم يقل المسيح ذات يوم : مملكتي ليست من هذا العالم ؟ ترى هل كان المسيح شاعراً ؟ لا أشك في هذا، حتى لو لم يكتب الشعر. لقد عاشه بكل روحه وجسده، ويكفيه ذلك، لأعتبره من معشر الشعراء. كل التائقين إلى دنيا غير هذه الدنيا، هم شعراء. المتدينون الوضعيون والسماويون. الفلاسفة. الرحالة. المتأملون. المفكرون. الصعاليك. الملحدون. العشاق. كل هؤلاء هم شعراء ولو لم ينتجوا شعراً. فكل هؤلاء باحثون عن المطلق وتائقون إلى تحقيق جزء منه، ما دام تحقيقه كله مستحيلاً.
والمطلق طريدة البشري ابن حواء فقط. فحتى هذه اللحظة، لم يثبت علمياً أنّ الكائنات الأخرى مشغولة بهذا الهمّ. مع أننا ربما نكون نرجسيين ونحن نزعم أمثال هذا التصوّر. فمن يدرينا أنّ الأشجار مثلاً، لا تفكّر في المطلق ؟ ألا تستمتع بالموسيقى ؟ ألا يزداد نموها، أو نمو البعض من أنواعها حين تستمع للموسيقى ؟ ثم ما هي الموسيقى ؟ أليست هي بالذات وبالأخص : مطلق ؟ وماذا عن الحيوانات ؟ ألا يحلم بعضها هو أيضاً ؟ وأليس الحلم نوعاً من المطلق ؟ فإن لم يكن الحلم مطلقاً فما هو المطلق ؟ أظنّ من ناحيتي، أنّ لكل كائن حي، مطلقه الخاص به. والفرق فقط في الدرجة لا في النوع : وفي قدرة هذا الكائن على الإبانة. نحن مُنحنا لساناً وأصابع لنكتب. الشجرة والكركدنّ، لم يُمنحا هذا الامتياز. لذا لم يتكلمّا عن المطلق ولم يكتباه. إنهما، كما يخيل لي : يحلمان به : يحلماه. لذا فالجملة السابقة، عن البشري ابن حواء، هي جملة متنطعة وغير دقيقة. فالمطلق، كما أحدس، هو طريدة كل الكائنات الحية. فكل الكائنات الحية تعاني. وكل الكائنات الحية تحلم بمعاناة أقلّ، وبأوضاع أفضل.
وليس هذا فحسب. ففي الجانب المقابل، كل الكائنات المرتاحة والسعيدة نوعاً ما، تحلم هي كذلك بسعادة أكبر وأشمل. تحلم ربما بسعادة خالصة. وهذا نوع من المطلق أيضاً. البحث عما هو غير ممسوك باليدين. والنظر إلى ما هو أبعد من القدمين. لذلك يصحّ القول بأنّ مطلق الجائع هو الرغيف. ومطلق المليونير هو إضافة أصفار على اليمين. ومطلق المريض هو الصحة، ومطلق الواقع تحت احتلال هو الاستقلال، وهكذا دواليك. وحين يتحقق المطلق لبعضهم، فإنّ مطلقات أخرى، تولد حينئذ. ذلك أنّ الكائن الحي، وبضمنه الإنسان، لا يكفّ عن استيلاد مطلقات جديدة، كلما حقق مطلقاته القديمة. فالكائن الحي هو حيوانُ استهلاكٍ للمطلق. مستهلك للمطلق من الدرجة الأولى. فهو في الواقع والحقيقة، لا يستطيع أن يحيا بلا مطلق. فالمطلق خصيصته العامة والخاصة في آن.بهذا المعنى، فأبناء حواء هم حيوانات مطلق بامتياز. ودعونا هنا لا نتكلم إلا عنهم، بوصفنا منتمين لجنسهم ونوعهم حتى إشعار آخر. إنّ لدى هؤلاء ملايين المطلقات. كل واحد منهم وله مطلقٌ على مقاسه. مطلق يناسب ثقافته وتربيته. مطلق من بيئته. وكلها أو معظمها مطلقات نسبية. فالطالب الجامعي مطلقه في الوظيفة المحلوم بها. ثم في خطوة تالية : الاستقلال ببيت خاص والزواج وتكوين أسرة. بعد ذلك يأتي مطلق الترقية في الوظيفة وربما العمل على مشروع اقتصادي صغير خاص.
كذلك المليونير لا يكتفي بملياراته. يريد مزيداً منها. العانس تريد عريساً. المريض يريد شفاء. العاشق يريد معشوقه، إلخ. فإنّ حُقِقَت لهم كل هذه المطاليب، فهل يكتفون ؟ لا. يريدون مزيداً فمزيداً. العاشق يريد معشوقة جديدة. فمعشوقته السابقة بيضاء، وهو رأى اليومَ امرأة سمراء، فوقع في سحرها ونكهتها المختلفة. فإن كان له عشيقة بيضاء، فماذا عن السمراء والصفراء والسوداء ؟ لكل واحدة منهن طعم آخر ونكهة أخرى. وهكذا، لا تنتهي النساء ولا ينتهي العاشق من صبواته وخيباته. فكل النساء صالحات للعشق، ولا تخلو امرأة من جمال، كما قال أبو الروائيين العرب، محفوظ.وما يقال عن العاشق يقال عن سواه. الفرق فقط في الدرجة لا في النوع. فثمة مستهلك للمطلق على نطاق ضيق، متواضع وعملي، وثمة ما لا تكفيه كل هذه الدنيا.
والشعراء ينتسبون إلى هذا النوع الأخير. الحقيقي منهم، لا تكفيه الدنيا على رحبها. فمطلقه من النوع غير القابل للتحقق. غير الممسوك ألبتة. لذلك تراه تعيساً : تراه آسياً : تراه حائراً : تراه مكسور الروح : تراه ذاوي البشرة : غائرَ العينين : تراه رِجْلٌ هنا وأخرى هناك. فإن أردت معرفة وحقيقة ال [ هناك ] تلعثمتْ روحه وهو يردّ عليكَ. فهو أيضاً لا يعرف ما هي طبيعة وحقيقة [ الهناك ] هذه.فهي بلغة الفلاسفة : " المُطلق "، وبلغة المتنبي : " جلّ أن يسمى "، وبلغة غيرهم : أشياء وأمور أخرى. وهي كما الموت، المآل الأخير للإنسان : تعددت الأسباب وهو واحدُ. تعددت الأسماء والموضوع واحدُ. إنّ البحث عن المطلق يكون في نوعين : بحث عن مطلق أرضي وبحث عن مطلق سماوي. وفي حالة الشعراء، ربما لا يكفيهم هذان النوعان من البحث. ربما يبحثون عن نوع ثالث مزيج أو خليط من كليهما معاً، وصولاً إلى نوع واحد فقط.أنا كشاعر، مُطلقي هو : القصيدة القادمة : القصيدة غير المكتوبة أبداً. وما دامت هذه لا تأتي وربما لن تأتي أبداً، ففي انتظارها، أقبل بمطلقات عظيمة، تعينني على تحمل وحشة الطريق وقلة الزاد : قراءة ما كتبه الآخرون، والاستماع والاستمتاع بما ألّفه الموسيقيون. والتأمل اليومي في صغائر الأمور، لأصل إلى ما ورائها من جلائل وكبائر.
وهكذا، ففي كل ليلة، لي سوناتا أو سمفونية. وفي كل ليلة لي كتاب أو بضع صفحات. وفي كل ليلة لي كرسي تحت شجرة الزيتون أو البرتقال. أجلس عليه، قبل الفجر بقليل، وأظل صافناً، مدهوشاً من جمال هذا العالم الساكن، ممغوصاً من أنني بعد سويعات سويعات فقط، سأنزل إلى دنيا الموظفين، إلى نثر الحياة اليومية البائس، فيضيع ما حصّلتهُ في الليل بشق الأنفس، هباءً منثوراً في مطالع النهار وأواسطه، وأيضاً نهاياته !
الواحد يكدّ ويتعب في الليل ليحصل على البيضة الذهبية، فإذا جاء النهار بنثره وبشره السقيمان، كُسِرَت البيضة، وتأسّف المرء على الزلال المسكوب !
معلش : خيرها في غيرها !


* * *
باسم النبريص
إيلاف
8/ 5 / 2007